جدول المحتويات
تعد مدينة ولاتة التاريخية اليوم أقدم مدينة في موريتانيا، بما تحمله من إرث حضاري وثقافي عريق ومكانة بارزة في ذاكرة البلاد. فهي إحدى الحواضر التي صنعت جانبا مهما من تاريخ موريتانيا العلمي والثقافي، غير أن واقعها اليوم لا يعكس هذه المكانة، إذ ما يزال سكانها يواجهون صعوبات تمس أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها الماء والكهرباء.
فقد أصبحت الانقطاعات المتكررة للكهرباء مصدر معاناة يومية للسكان، وأثرت على مختلف جوانب الحياة والخدمات والأنشطة. ولم تتوقف معاناة المدينة عند هذا الحد، بل امتدت إلى قطاع المياه، رغم الآمال الكبيرة التي صاحبت مشروع ربط ولاتة ببحيرة أظهر، باعتباره مشروعا استراتيجيا كان ينتظر أن يضع حدا لأزمة طال انتظار حلها.
وبعد مرور سنوات على إنجاز مشروع المياه، لم تصل الخدمة إلى المستوى الذي كان يأمله السكان. فما تزال الانقطاعات متكررة، كما أن التزويد لا يشمل جميع الأحياء بشكل منتظم ودائم. وهو واقع لا ينسجم مع الطموحات الكبيرة التي صاحبت المشروع، إذ كان المنتظر أن يوفر الماء بشكل مستقر للاستخدام اليومي، ولدعم الزراعة، وتلبية حاجات الإنسان والحيوان، والمساهمة في خدمة القرى المجاورة.
وأمام هذا الواقع الذي بقي بعيدا عن التطلعات المنتظرة من المشروع، تبرز الحاجة إلى مراجعة جدية لمراحل الدراسة والتنفيذ، وفتح تحقيق جاد وشفاف في الاختلالات التي شابت مشروع ربط ولاتة ببحيرة أظهر، والعمل على إصلاح ما ينبغي إصلاحه حتى يحقق المشروع أهدافه. كما تقتضي المرحلة المحافظة على المولد الكهربائي الجديد وصيانته بشكل دائم، والإبقاء على المولد القديم في حالة جاهزية كاحتياط، تفاديا لتكرار الانقطاعات الطويلة التي أثقلت كاهل السكان.
ومن غير المنصف أن ترصد الدولة مليارات الأوقية لمشاريع تنموية مختلفة، بينما تبقى أقدم مدينة في البلاد تعاني من العزلة والتهميش ومن عدم استقرار بعض الخدمات الأساسية. فالحلول المؤقتة قد تخفف من الأزمة لفترة محدودة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن حلول جذرية ومستدامة تضمن للسكان حقهم في الخدمات الأساسية.
غير أن قضية ولاتة لا ينبغي أن تختزل في الماء والكهرباء فقط، فهذه المدينة تحتاج إلى رؤية تنموية شاملة تستثمر تاريخها وموقعها وتراثها. ومن الأولى أن تحظى بعناية خاصة لفك العزلة عنها، وتثبيت سكانها، وجذب السياحة إليها، ونفض الغبار عن تراثها العريق وتثمينه، بما يحول هذا الإرث إلى مصدر تنمية حقيقية.
إن الاهتمام بولاتة ليس مجرد اهتمام بمدينة بعينها، بل هو اهتمام بجزء من هوية موريتانيا وذاكرتها الحضارية. ولذلك فإن توزيع المشاريع والاستثمارات ينبغي أن يراعي خصوصية المدن التاريخية وحاجتها إلى التنمية والحماية في آن واحد.
كما أن المشاريع المستقبلية، وفي مقدمتها الطريق الرابط بين ولاتة وعاصمة الولاية النعمة، يجب أن تقوم على دراسات دقيقة وتنفيذ مسؤول ومتابعة جادة، حتى تكون مدخلا حقيقيا لفك العزلة وتعزيز التنمية.
إن ولاتة لا تطلب امتيازا خاصا، وإنما تطالب بأن تحظى بما تستحقه من عناية وتنمية تليق بتاريخها ومكانتها. فهذه المدينة التي كانت يوما من منارات العلم والحضارة قادرة على استعادة دورها إذا توفرت لها مقومات الحياة وتم الاستثمار في تراثها وفك عزلتها. ويبقى الأمل أن تتحول ولاتة من مدينة تنتظر أبسط الخدمات إلى مدينة حاضرة في مسار التنمية الوطنية، تجمع بين أصالة التاريخ وآفاق المستقبل.