جدول المحتويات
قد يجد المحلل أن الوضع السياسي في موريتانيا لا يحتاج كثير عناء لفهمه، إلا أن تتعدد المتغيرات فيه وتداخلها وتناقضها أحيانا يجعل من الضروري صياغة نموذج قادر على استيعاب المتغير والثابت والخروج برؤية أكثر وضوحا لما يجرى على الأرض. فمن جهة هناك حوار يتعثر بسبب مطالبات غير دستورية ممن دعا إليه ثم يقف على رجليه من جديد لكن في وضع أقرب من عدم الحاجة إليه؟
وتحتدم معارك الساحل فيطير الرئيس إلى فرنسا ويجلب معه قطعة شطرنج عملت أطراف محلية ودبلوماسية على تطويعها تتمثل في حبيب صال زعيم أفلام فكيف أصبح ذلك ممكنا الآن بعد أن كان أقرب لأحلام اليقظة؟ ومن يقف وراءه فعليا من الداخل أولا ولمصلحة من؟
ويتراجع التيار الإسلامي عن طرفيته ويقترب من خط النظام فيستدعى بعض منظريه من قطر وتفتح السجون عن الجهاديين التكفيريين فتتهافت أبواق يعتقد أنها مأجورة لأبو ظبي على مهاجمة الشيوخ وعناصر بارزة في التيار الإسلامي فماذا وراء التوقيت؟
وتكثر رحلات الوزير الأول إلى أبو ظبي وهو المكيافلي الذى يعتقد أنه ضالع في صراع الأجنحة فيبتعد النظام أكثر من أبو ظبي ويفتى مجلس الفتوى والمظالم بأن الديانة الإبراهيمية لا أساس لها شرعا وهو طبعا ما لا يعجب منتدى السلم والحوار والتكامل بين الديانات... وتزامنا مع صراع الأجنحة داخل النظام تطرح الحكومة مشروع قرار يحرم على العسكريين المتقاعدين والموجودين على رأس عملهم مزاولة السياسة ضاربة بذلك عصفورين بحجر واحد... فما السر؟
وتزيد الصين من تعهداتها بتمويل التنمية في إفريقيا إلى خمسين مليار دولار بالإضافة للتدخل الروسي المباشر فترتعد لذلك فرائس الغرب ويلتفت يمنة ويسرة فلا يرى إلا موريتانيا بلد مستقرا ومتعاونا فهل يضحى به أو يدعه لتقلبات غير محسوبة؟
إن تحليل المشهد السياسي بناءً على هذه المعطيات المتداخلة يتطلب تفكيك "المعادلة الموريتانية التقليدية التي ترتكز على توازن الجيش، والقبيلة، والعمق الإفريقي / العربي وإعادة تركيبها مع المتغيرات الجديدة.
ولتحقيق ذلك، سنقوم بدمج هذه الثوابت مع ثوابت النظام الموريتاني المتمثلة في: محورية المؤسسة العسكرية كضامن للاستقرار، والتوازنات العرقية والقبلية الحساسة، والارتباط بالمعادلات الإقليمية والدولية في نموذج تحليلي واحد يتوقع مسارات التحول على المديين القريب والمتوسط.
وباستخدام النموذج التحليلي المدمج يمكن تقسيم هذه المتغيرات إلى ثلاثة محاور رئيسية تتفاعل مع ثوابت النظام.
فنمثل المحور الأول في السيادة العسكرية التي تركز على حماية النظام فيكون الثابت في هذا المحور بلا دفاع ولا نزاع هو أن الجيش هو النواة الصلبة للحكم منذ 1978 وحتى الآن، فيما تتمثل المتغيرات المدمجة في احتدام حرب الساحل الأمر الذي يسمح للجيش بالبقاء في حالة استنفار قصوى مما يمنحه شرعية إضافية لإمساك خيوط اللعبة. وفي المقابل طرح مشروع قرار منع العسكريين المتقاعدين والحاليين من مزاولة السياسة في محاولة ذكية من الرئيس غزواني لـ"تأميم" المجال السياسي، وقطع الطريق على جنرالات طامحين وأجنحة متصارعة ينوون الوصول إلى السلطة بعد انتهاء المأمورية الحالية، وبالتالي حصر التنافس في المسار المدني الذي يسعى الرئيس للتحكم في مخرجاته.
أما المحور الثاني فيتعلق بالسياسة والانتخابات وإعادة تموضع البيادق، والثابت فيه هو استخدام الحوار الوطني كآلية لامتصاص الاحتقان وإعادة تدوير النخبة.
أما المتغير فهو أن الدعوة للحوار تأتي في سياق صراع أجنحة صامت حول خلافة غزواني ومناورة الائتلاف الداعم بإدراج تعديل المأموريات لفتح المجال لمأمورية ثالثة ليست سوى بالون اختبار لكسر جمود الدستور، وهو ما ترفضه المعارضة ويقال إن الأغلبية الداعمة تنازلت عن إدراج المأموريات على جدول أعمال الحوار ولا أرى ذلك تم إلا باتفاق ربما يكون تعهدا بمحاصصة من جانب النظام القادم مقابل دعم مرشح يسميه الرئيس الحالي من محيطه المقرب، وعلى كل حال فلن تكون لنتائج الحوار أهمية تذكر إذ من خلال هذه الهندسة السياسية الجديدة، فباستقدام زعيم "أفلام" حبيب صال من فرنسا يكون النظام قد احتوى أطرافا راديكالية؛ وهدأ الشارع الزنجي، بالتوازي مع صعود أحزاب من الأغلبية الرئاسية "كحزب صيانة المكتسبات الديمقراطية" سيلعب دور "الإسفنجة" التي تمتص القواعد الشعبية لحركات الانعتاق الإفريقي والتيارات العرقية لإدخالهم تحت مظلة الأغلبية. وفي الجانب الآخر يقترب حزب "تواصل" الإسلامي من خط النظام يهدف إلى عزل ما تبقى من المعارضة وهكذا يخلق الرئيس غزواني شبكة أمان سياسية تؤمنه من مصير مشابه لمصير الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
وتحت المحور الأخير نعرض للبعد الإقليمي / الأمني والاقتصادي والضغط الخارجي وصمامات الأمان، حيث الثابت هو البراغماتية في العلاقات الخارجية، ففي كفة هناك حساسية مفرطة لدى الجانب الموريتاني تجاه الملف الحقوقي، وفي الكفة الثانية، فإن الغرب يجعل من موريتانيا خطا أماميا متقدما لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بالساحل، ومن وراء ذلك رغبة أكيدة للوقوف أمام التوسع الاقتصادي الصيني والتدخل الروسي، ولا يرغب في تغيير النظام لأن ذلك قد يعرض ما تحقق من إنجازات في هذا المجال للخطر، لذا نراه يذلل الصعاب أمام تحقيق أهداف النظام، ولن أستغرب إن صرح قانونيون وحقوقيون بعدم قدسية الدستور، إذ ذلك هو توجه السادة الغربيين...
أما المتغيرات المدمجة، فأهمها أزمة مضيق هرمز وما سببته من ارتفاع في الأسعار واحتقان معيشي، مما يجعل ملفات "تبييض الأموال والتساهل الشديد في معالجتها خطراً قد يفجر الشارع إذا ثبت تورط النظام. الذي لا يخفى أن همه الوحيد في هذه المرحلة ينحصر في إستراتيجية تسفير الأزمات.
مما سبق وبناءً على تفاعل هذا النموذج نستشف أن ملامح المستقبل الموريتاني تتشكل وفق مسارين زمنيين:
ففي المدى القريب:
- سيتعثر الحوار الوطني جزئياً بسبب عقدة المأموريات، وهو ما سيستخدمه الرئيس غزواني للضغط على الأجنحة المتصارعة داخل نظامه، مظهراً نفسه كـالحكم الوحيد القادر على ضبط الاستقرار، وينال من المتحاورين مقابلا للتخلي عن فكرة المأموريات، ويستمر الحوار الذى لم يعد ذا أهمية كبيرة، بمن حضر
- سيمر قرار منع العسكريين المتقاعدين من السياسة، مما سيعزل جنرالات المربع الأول مثل رفقاء الرئيس السابق أو القيادات الحالية الطامحة ويعيد ترتيب بورصة أسماء الخلفاء المحتملين لصالح شخصيات تكنوقراطية أو مدنية يديرها الجناح الأمني للرئيس.
- لمواجهة آثار أزمة مضيق هرمز الاقتصادية وتهم تبييض الأموال، سيكثف النظام من سياسات الدمج العرقي عبر أحزاب الموالاة، وتقديم تنازلات لملف الإرث الإنساني عبر حوار أفلام لإلهاء الشارع عن الأزمة الاقتصادية بانتصارات حقوقية وسياسية. بالإضافة لتوزيعات تآزر على قلة أهميتها وما يشوبها من سوء تسيير..
وفي المدى المتوسط:
- سيلتزم غزواني سيناريو الخلافة الموجهة وسيهندس انتقالاً سلساً للسلطة إلى شخصية مدنية ذات خلفية أمنية / مضمونة، مستفيداً من حزب تواصل المقترب من النظام لتأمين غطاء إسلامي شرعي، ومن التيارات الزنجية المعتدلة لتأمين السلم الأهلي.
- ملف إطلاق سراح الجهاديين وتبييض الأموال قد يرتد عسكياً. إذا انهارت الأوضاع في الساحل، فقد تجد موريتانيا نفسها مضطرة للاعتماد بشكل كامل على الجناح العسكري، مما قد يسقط قانون منع العسكريين من السياسة عبر تصحيح عسكري جديد في شكل انقلاب ناعم إذا شعر الجيش أن الرئيس المدني القادم لن يحمي مصالحه أو سيتورط في ملفات غير محسوبة.
- التوتر الصامت مع محور أبو ظبي قد يدفع موريتانيا للميل أكثر نحو المحور الجزائري -التركي أو الحفاظ على علاقة متوازنة فرنسية - أمريكية صارمة كحليف محايد في الساحل، مع إبقاء ورقة الجهاديين كدرع حماية حدودي غير رسمي.
وفى المحصلة فإن النظام الحالي يقود عملية هندسة وقائية معقدة؛ فهو يفكك مراكز القوى العسكرية التقليدية، ويحتوي المعارضة الإسلامية والعرِقية في جسد النظام، ويناور بالأوراق الأمنية الخارجية الساحل والجهاديين ليضمن بقاء معادلة الحكم بيد جناح غزواني حتى بعد رحيله عن السلطة، مستخدماً الحوار كغطاء والتشريع كأداة إقصاء قانونية للمنافسين الأقوياء.