جدول المحتويات
هناك صمتٌ أثقل من الاعتراف، وهناك رفضٌ يبوح، أكثر من أي خطاب، بما يخشاه أصحابه حقًا من مجيئه. فحين يقترح بلدٌ أنهكته عقودٌ من الانقسامات المسكوت عنها أن يجلس أخيرًا ويتحاور، لا تعدم أصواتًا تتهامس بأن الساعة لم تحن بعد، وأن الشروط لم تكتمل، وأن التوقيت غير موفق. هذه الأصوات أتهمها.
أتهمها لا عن اندفاع، بل عن بصيرة. فالأمر هنا ليس خلافًا في الرأي بين أهل نية صادقة يختلفون في المنهج. الأمر اختيارٌ: تفضيل النظام الظاهري القائم على الأحقاد المدفونة، على المخاطرة الحقيقية بالحقيقة المشتركة. إن الذين يُخرّبون الحوار الوطني لا يدافعون عن الاستقرار، بل يدافعون عن ريعهم من عدم الاستقرار. إنهم يعيشون على نزيف الوطن الصامت.
ما يحمله الحوار
لا بد من قولها بالوضوح الذي يليق باليقين: تجرّ موريتانيا منذ أجيال ملفاتٍ لن يكفي أي إنكارٍ لإقفالها أبدًا. الملف الإنساني لسنوات 1989 - 1991، والانقسامات المجتمعية التي تُكتم في المجالس وتبقى راسخة في القلوب، والتفاوت التنموي بين الجهات، وجراح الاسترقاق وتبعاته المعاصرة، وقضية الوحدة الوطنية ذاتها — كل هذا لا ينتظر أن يُنسى. إنه ينتظر أن يُسمّى، وأن يُفحص، وأن يُعالج. فالشعب لا يُشفى مما يُرغَم على كتمانه؛ إنه فقط يؤجّل الحُمّى.
الحوار الوطني ليس ترفًا ظرفيًا ولا تنازلًا يُمنح تحت أي ضغط كان. إنه السبيل الوحيد الذي يمكن به لأمةٍ أن تحوّل ذاكرتها الأليمة إلى عقدٍ متجدد. إنه لا يعد بمعجزة، لكنه يفتح الفضاء الذي يستطيع فيه الموريتانيون أخيرًا أن يقولوا الأشياء وجهًا لوجه، بدل أن يتهامسوا بها في الخفاء؛ حيث يمكن تحديد المسؤوليات دون أن تصبح الحقيقة مرادفًا للانتقام؛ حيث تكفّ المصالحة عن أن تكون كلمة جوفاء في الخطابات الرسمية لتصبح ورشًا ملموسًا: جبر الضرر، والاعتراف، وإصلاح المؤسسات، وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي.
وجه المخرّبين
من هم هؤلاء الذين يسعون إلى إفشال هذه المسيرة قبل أن تبدأ حتى في إثمار نتائجها؟ إنهم ينقسمون إلى فئات عدة، ولا بد من الجرأة على التمييز بينها.
هناك أولًا الحنينيون إلى الوضع القائم، أولئك الذين تشكّل لديهم أي إعادة نظر في التوازنات الموروثة تهديدًا شخصيًا لا فرصةً جماعية. ليس ظلم الحوار ما يخيفهم، بل عدله المحتمل.
وهناك ثانيًا تجّار الفتنة، أولئك الذين بنوا نفوذهم على الاستغلال المنهجي للانقسامات الجهوية والمجتمعية، ويعلمون أن نجاح الحوار سيحرمهم من أربح تجارتهم: الخوف من الآخر.
وهناك أخيرًا — وهم ربما الأخطر لأنهم يتزيّون بثياب الفضيلة — دعاة الكمال الإجرائي، الذين يطالبون بشروط مسبقة مطلقة إلى درجة لا يستطيع أي حوار بشري أن يستوفيها، والذين، تحت غطاء المطلب الديمقراطي، لا يعملون في الحقيقة إلا على تأجيل موعد التسوية إلى ما لا نهاية.
ولكل هؤلاء يجب أن يُقال أمرٌ بسيط: التاريخ لا يغفر للأجيال التي، إذ أتيحت لها فرصة شفاء وطنها، آثرت إبقاء الجرح مفتوحًا راحةً أو حسابًا.
ما هو على المحك
الأمر ليس مجرد جولة تفاوض. إنه يتعلق بمعرفة ما إذا كانت موريتانيا تختار أن تواجه نفسها، أو أن تستمر في السير معصوبة العينين نحو توترات ستطفو يومًا بعنفٍ يتناسب مع طول الزمن الذي قُضي في كتمانها. كل سنة يُؤجّل فيها الحوار هي سنة إضافية تتجذّر فيها الجراح بدل أن تندمل، وتنتقل فيها الريبة بين المجموعات إلى الأبناء بدل أن تنطفئ مع الآباء، ويهترئ فيها الوطن بدل أن يتجدد.
إن واجب الذاكرة ليس تمرينًا حنينيًا: إنه شرط السلم الاجتماعي المقبل ذاته. لا يُبنى شيء دائم على الإنكار. وإن الذين يعملون اليوم، حسابًا أو خوفًا، على إفراغ الحوار الوطني من مضمونه أو تأجيل انعقاده إلى ما لا نهاية، يتحمّلون مسؤولية لن يتوانى تاريخ موريتانيا عن تذكيرهم بها.
النداء
لا يزال الوقت متاحًا. لا يزال الوقت متاحًا لأن تفرض القوى الحية في البلاد - البرلمانيون السابقون، والسلطات الدينية والتقليدية، والمجتمع المدني، والشباب، والنساء، والجالية -بتصميمها المشترك، الانعقاد الفعلي والصادق لهذا الحوار الذي طال الإعلان عنه وطال تأجيله. لا يزال الوقت متاحًا لرفض أن تظل مصالح خاصة قليلة تحتجز مستقبل الجميع رهينة.
موريتانيا ليست بحاجة إلى تخريبٍ متنكّرٍ في ثوب الحيطة. إنها بحاجة إلى الشجاعة. شجاعة تسمية جراحها لتجاوزها، وشجاعة الحوار دون سذاجة ودون مماطلة، وشجاعة اختيار الحقيقة أخيرًا على راحة الصمت.
إن الذين يرفضون هذا الحوار سيُطالَبون يومًا، أمام شعبهم وأمام التاريخ، بتفسير الزمن الذي أضاعوه.
جمال مختار الله