تخطى الى المحتوى
الأستاذ محمد الأمين ولد البار

جدول المحتويات

ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ كان أكبر من الكلمات! ولا أن تختصر حياةً ملؤها الخير في أسطرٍ معدودة. فبعض الرجال إذا غابوا بقيت آثارهم ناطقة عنهم؛ وإذا ذُكروا تعطرت المجالس بسيرتهم، وإذا استُحضرت مواقفهم أدرك الناس أن الأعمار لا تُقاس بعدد السنين، وإنما بما يتركه أصحابها من أثرٍ في الأرض وأجرٍ عند الله.

كان أخي وصديقي العزيز لمين – رحمه الله رحمةً واسعة – مباركًا حيًّا وميتًا؛ مباركًا في حضوره، مباركًا في كلماته، مباركًا في أعماله، ومباركًا بعد رحيله؛ بما خلّف من آثارٍ ما تزال تنبض بالحياة؛ لقد عرفت رجالًا كثيرين، وخالطت صنوفا من الناس، فما رأيت قط رجلًا اجتمعت فيه خصال الخير مثل ما اجتمعت فيه.

كان - سقى تربته صيب المزن - شجاعًا لا يعرف للتردد سبيلًا؛ يحمل همَّ الأمة في قلبه قبل أن يحمله على كتفيه؛ ولم تكن شجاعته مجرد شعاراتٍ تُرفع، بل مواقف تُشهد. مضى إلى ليبيا يوم اشتد الحصار على غزة، يسعى لفك الكرب عن إخوانه، غير عابئٍ بما يكتنف الطريق من أهوال وأخطار مع أنه كان معذورًا بمرض القلب وداء السكري، لكن قلبه كان أكبر من علّته، وإيمانه أقوى من جسده، فاختار أن يكون في ميادين البذل بينما يتأخر كثير من الأصحاء.

وكان كريم النفس قبل أن يكون كرم اليد، يعطي في صمت، ويبذل في خفاء، حتى ليصدق فيه قول القائل: لو سألته نفسه لجاد لا يبخل على محتاجٍ بشيء يملكه.

كما كان متواضعًا تواضع العارفين بالله؛ لا يعرف الكبر إليه طريقًا، ولا يرى لنفسه فضلًا على أحد؛ وكان قريبًا من الناس، تأخذه الأمة لحاجتها، فيمضي إليها بقلب الأب الحاني، وصدر الأخ المشفق، لا يرد سائلًا، ولا يملّ من خدمة أحد.

وكان مجاهدًا بحق؛ فما علم مجالًا من مجالات الخير إلا وضرب فيه بسهم، وما عرف بابًا من أبواب البر إلا طرقه. يجاهد بماله، وبوقته، وبفكره، وبكلمته، وبحضوره، حتى غدت حياته كلها وقفًا لله تعالى.

وكان عالمًا مطالعًا، لا تكاد تراه إلا وبين يديه كتاب، أو يقلب صفحات علم، أو يراجع مسألة، أو يبحث عن فائدة؛ أو يقتنص شاردة؛ لم تكن القراءة عنده هوايةً، بل كانت غذاء روحه، وسرَّ نضجه، ومفتاح عطائه، وكان يعلم أن الأمم تُبنى بالعلم كما تُبنى بالتضحيات.

وكان طموحًا لا تحده الآفاق؛ يحمل نفسه على معالي الأمور، ويكلفها من الأعمال ما يعجز عنه كثير من الرجال.، كانت همته تسمو دائمًا إلى الأعلى، وكأن روحه خُلقت لتسبق عمرها، وتنجز في سنواتٍ قليلة ما يعجز عنه غيره في عقود.

وكان شاعرًا فذًّا، ينسج الحروف من قلبه قبل قلمه، فتخرج كلماته صادقةً مؤثرةً، ويزيدها جمالًا بصوته الندي إذا أنشد، فيلامس بها القلوب قبل الآذان، ويبعث بها العزائم، ويحيي بها المعاني النبيلة.

وكان قبل هذا كله داعيةً إلى الله حيثما حل وارتحل؛ لا يضيع فرصةً لدلالة الناس على الخير، ولا يبخل بكلمةٍ طيبة، ولا يتوانى عن نصحٍ أو تذكير. كان يرى أن الدعوة ليست منبرًا فحسب، بل خُلُقٌ ومعاملةٌ وسلوك، ولذلك كانت سيرته قبل لسانه أبلغ داع .

وكان بشوش الوجه، دائم الابتسام، لا تكاد تلقاه إلا وقد استقبلك ببشرٍ يشرح الصدر، وضحكةٍ صادقةٍ تنسيك همومك. كان يوزع الأمل كما يوزع السلام، ويجعل من ابتسامته صدقةً لا تنقطع.

ثم شاء الله أن يكون عمره قصيرًا في حسابات الناس، لكنه كان طويلًا في ميزان الإنجاز والبركة. فقد أطال الله عمره الحقيقي بإخلاصه، فما أكثر ما ترك من أعمالٍ جارية، وما أكثر ما أقام من أوقافٍ ومشروعاتٍ ينتفع بها الناس بعد رحيله.

وكأن الله سبحانه عوّض قصر السنين بفيض البركات، حتى صار ذكره باقيًا، وأثره ناميًا، وأجره – نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا – يتضاعف مع كل نفعٍ يصل إلى الناس. ولعل آخر تلك الآثار المباركة هذا الصرح العظيم الذي يشهد له ولا يشهد عليه، ويكتب اسمه في سجل الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

رحم الله لمين؛ فقد كان رجلًا إذا ذُكر ذُكر معه الخير، وإذا حضر حضرت المروءة، وإذا غاب افتُقدت الأخلاق. عاش لله، وخدم دينه وأمته، وترك من الذكر الحسن ما يجعل القلوب تلهج له بالدعاء، والألسنة تترحم عليه، والأعمال الصالحة تزكو وتنمو بحول الله تعالى بعده .

رحمك الله يا أبا الخير، وجزاك عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل كل ما قدمت في موازين حسناتك، وجمعنا بك في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

بقلم: الأستاذ محمد الأمين ولد البار

الأحدث