جدول المحتويات
قد تكون نواكشوط واحدة من المدن القليلة في العالم التي يُقاس فيها نجاح سياسة النظافة بوزن القمامة المنقولة، لا بمستوى نظافة المدينة نفسها. فحين تصبح الأطنان التي تُفرغها الشاحنات في المكب الرئيسي أهم من شكل الشوارع، ونظافة الأحياء، واختفاء المكبات العشوائية، فإننا لا نكون أمام خلل في التنفيذ فحسب، بل أمام خلل أعمق في فلسفة التفكير التنموي ذاتها.
هذه المفارقة تختزل، إلى حد بعيد، واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه التنمية في موريتانيا: غياب الحس الاستراتيجي في صناعة القرار. فمن يستمع إلى الخطابات الرسمية المصاحبة للبرامج التنموية الكبرى، وما تحمله من أرقام ضخمة وطموحات واسعة، ثم يقارن ذلك بحجم التحولات الفعلية التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، يدرك أن المشكلة لا تكمن دائمًا في نقص الموارد، ولا حتى في ضعف التنفيذ وحده، وإنما في غياب الرؤية القادرة على فهم المشكلات التنموية بوصفها ظواهر مركبة، تتطلب حلولًا استراتيجية طويلة المدى، لا إجراءات ظرفية وموسمية.
ولعل ملف النظافة الحضرية في نواكشوط، وفي المدن الموريتانية عمومًا، يقدم المثال الأكثر وضوحًا على هذا الخلل البنيوي. فعلى الرغم من عقود من الإنفاق، والتعاقدات، والحملات المتكررة، ما تزال القمامة والتلوث البصري وتدهور الفضاء العام تشكل جزءًا ثابتًا من المشهد الحضري. وليس ذلك لأن البلاد تفتقر بالضرورة إلى الإمكانيات، بل لأننا ما زلنا نتعامل مع النظافة باعتبارها مجرد خدمة لجمع النفايات، بينما هي في حقيقتها قضية حضارية وثقافية وتربوية وقانونية ومؤسسية بالدرجة الأولى.
إن المدينة النظيفة لا تُبنى بالشاحنات وحدها، وإنما تُبنى برؤية شاملة تبدأ من المدرسة، وتمر بالقانون، وتنتهي بالمجتمع ومؤسسات الدولة. فقبل أن نسأل عن عدد الشاحنات التي اشتريناها، ينبغي أن نسأل: هل نجحنا في بناء مواطن يحترم الفضاء العام؟ وهل نجحنا في بناء مؤسسات قادرة على فرض احترامه؟
وفي هذا السياق، يبرز مثال بالغ الدلالة على غياب التفكير الاستراتيجي في إدارة ملف النظافة. فالدولة ترتبط بعقد مع شركة أجنبية مكلفة بتنظيف العاصمة، غير أن فلسفة التقييم والمحاسبة تبدو، في جوهرها، مرتبطة بكمية النفايات التي تنقلها الشاحنات إلى المكب الرئيسي، لا بالنتيجة النهائية المتمثلة في نظافة العاصمة وتحسن وجهها الحضري.
وهنا يكمن جوهر المشكلة. فالدولة، عمليًا، لا تشتري "عاصمة نظيفة"، وإنما تشتري "أطنانًا من النفايات المنقولة". وبين الأمرين فرق شاسع. فالعبرة ليست بعدد الشاحنات التي دخلت المكب، ولا بالأوزان التي سجلتها موازينه، وإنما بشكل المدينة، ونظافة شوارعها، واختفاء مكباتها العشوائية، وتحسن فضائها العام، ومدى شعور المواطن والزائر بأنهما يعيشان في مدينة تحترم نفسها.
إن الدول التي نجحت في إدارة مدنها لم تعتمد مؤشرات أداء تقوم على وزن النفايات، وإنما على قياس النتائج: كم حيًا أصبح نظيفًا؟ كم نقطة سوداء اختفت؟ ما مدى رضا السكان؟ وما هو مستوى النظافة الفعلي الذي يراه الناس بأعينهم؟ فالتنمية لا تُقاس بحجم الجهد المبذول، ولا بحجم الإنفاق، وإنما بالنتائج التي تتحقق على أرض الواقع.
ولهذا، فإن أي استراتيجية وطنية جادة للنظافة الحضرية ينبغي أن تبدأ أولًا بإصلاح الإنسان قبل إصلاح الشارع. فلا يمكن بناء مدن نظيفة بأجيال لم تتلقَّ أي تربية منهجية على احترام الفضاء العام. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدراج التربية البيئية والمواطنة المدنية ضمن المناهج الدراسية، وتخصيص أنشطة مدرسية دورية للنظافة، وإنشاء أندية بيئية، وتحويل النظافة إلى قيمة اجتماعية وثقافية راسخة.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن الحديث عن نظافة حضرية دون الحديث عن هيبة القانون. فالنظافة ليست مجرد فضيلة أخلاقية، وإنما هي أيضًا نظام عام. ولذلك فإن سن قوانين صارمة وفعالة تجرم رمي النفايات، وإلقاء مخلفات البناء، والتسبب في التلوث البصري والبيئي، مع تطبيقها بحزم ودون تمييز، يمثل شرطًا أساسيًا لأي تحول حقيقي.
ومن هنا أيضًا تبرز أهمية تعزيز الشرطة البيئية، التي ينبغي أن تتحول من جهاز محدود الحضور إلى أحد أهم أدوات الدولة في فرض النظام البيئي. ويتطلب ذلك دعمها بالموارد البشرية واللوجستية، وتوسيع انتشارها في المحاور الرئيسية للمدن، والأسواق، ومحطات النقل، والأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، مع تزويدها بوسائل رقابة حديثة، ومنحها صلاحيات تنفيذية فعالة، وإنشاء شبكات من المراقبين البيئيين المحليين بالتنسيق مع البلديات والمجتمع المدني.
كما أن نجاح أي سياسة للنظافة يقتضي توفير البنية التحتية اللازمة لاحترام القانون. فلا معنى لمنع التبول في الأماكن العامة في ظل غياب المراحيض العمومية، ولا معنى لمطالبة المواطنين بعدم رمي النفايات في ظل نقص نقاط التجميع، ولا معنى للحديث عن بيئة حضرية سليمة في ظل التوسع العمراني غير المنظم.
ومن المهم أيضًا إعادة تعريف دور البلديات، بحيث تتحول من مجرد جهات لجمع القمامة إلى مؤسسات لإدارة الفضاء الحضري والسلوك المدني، عبر إنشاء مراصد محلية للنظافة، وإشراك لجان الأحياء، واعتماد مؤشرات أداء قابلة للقياس والنشر الدوري.
كما أن التجارب الدولية الناجحة أثبتت أن النفايات يمكن أن تتحول من عبء مالي إلى فرصة اقتصادية، من خلال دعم إعادة التدوير، وتشجيع المبادرات المحلية، وخلق حوافز اقتصادية تجعل من المحافظة على البيئة مصلحة جماعية، لا مجرد واجب قانوني.
إن الدول لا تصبح نظيفة لأنها خصصت ميزانيات أكبر، ولا لأنها تعاقدت مع شركات أكثر، ولا لأنها اشترت المزيد من شاحنات القمامة، وإنما لأنها امتلكت رؤية استراتيجية، وبنت مؤسسات فعالة، وربت أجيالًا تحترم الفضاء العام، وفرضت القانون على الجميع دون استثناء.
وربما تكون هذه هي المعضلة التنموية الأكبر في موريتانيا: أننا ما زلنا نقيس نجاح السياسات بحجم الأموال التي أُنفقت، وعدد الشاحنات التي تحركت، والأطنان التي نُقلت، بينما المعيار الحقيقي لأي سياسة ناجحة يظل دائمًا أبسط من ذلك وأكثر صرامة: هل تغير واقع الناس فعلًا؟ وهل أصبحت مدننا أفضل مما كانت عليه؟