تخطى الى المحتوى

موريتانيا والذكاء الاصطناعي: الطريق الصحيح يحتاج إلى خبرات حقيقية

بقلم: محمد ناجم - متخصص في هندسة وتقنيات الذكاء الاصطناعي

جدول المحتويات

يشهد العالم اليوم سباقًا غير مسبوق في مجال الذكاء الاصطناعي، ولم يعد هذا المجال مجرد رفاهية تقنية أو مشروعًا للمستقبل، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في بناء الاقتصادات الحديثة وتحسين الخدمات الحكومية وتعزيز القدرة التنافسية للدول.

 

ومن الإنصاف القول إن الحكومة الموريتانية بدأت تدرك أهمية هذا التحول، وأصبح الحديث عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي حاضرًا في النقاشات الرسمية. وهذه خطوة تستحق الإشادة، لأنها تعكس إرادة سياسية لمواكبة التطورات العالمية وعدم البقاء خارج هذا التحول التاريخي.

 

لكن الاعتراف بأهمية الذكاء الاصطناعي شيء، وبناء منظومة وطنية ناجحة شيء آخر تمامًا.

 

للأسف، ما نراه في كثير من الدول هو الاعتقاد بأن استخدام ChatGPT أو أي روبوت محادثة يعني امتلاك خبرة في الذكاء الاصطناعي. وهذه واحدة من أكبر المغالطات التقنية في عصرنا.

 

الذكاء الاصطناعي الحقيقي لا يبدأ من كتابة الأوامر للنماذج اللغوية، بل يبدأ من فهم البيانات، وبناء البنية التحتية الرقمية، وتصميم الأنظمة الذكية، وإدارة دورة حياة النماذج، وضمان أمنها، وتقييم نتائجها، ودمجها داخل المؤسسات بطريقة تحقق قيمة اقتصادية حقيقية.

 

هناك فرق كبير بين مستخدم للتقنية، وخبير قام ببناء أنظمة تعتمد عليها المؤسسات في اتخاذ القرار وتحليل البيانات وأتمتة العمليات.

 

ولهذا فإن نجاح أي استراتيجية وطنية يتطلب وجود أشخاص عاشوا هذه التجربة عمليًا، وعملوا داخل شركات ومؤسسات طبقت الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وواجهوا تحدياته الحقيقية، وليس فقط من قرأ عنه أو تابع آخر الأخبار المتعلقة به.

 

موريتانيا تمتلك كفاءات وطنية منتشرة في مختلف أنحاء العالم، يعمل بعضها في كبرى الشركات والمؤسسات التقنية، واكتسب خبرات عملية يصعب تعويضها بالتكوين النظري وحده. ومن الحكمة أن تستفيد الدولة من هذه الطاقات، سواء عبر الاستقطاب المباشر، أو من خلال مجالس استشارية، أو مشاريع وطنية يقودها أصحاب الخبرة العملية.

 

كما أن المرحلة الحالية تتطلب ضخ دماء جديدة داخل اللجان والمشاريع التقنية، ليس لإقصاء أحد، وإنما لإضافة خبرات متنوعة تجمع بين التجربة الإدارية والخبرة التقنية الحديثة. فالتكنولوجيا تتطور بسرعة هائلة، وما كان صحيحًا قبل خمس سنوات قد لا يكون مناسبًا اليوم.

 

إن بناء استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي لا يعني شراء برمجيات أو توقيع اتفاقيات، بل يعني اتخاذ قرارات صحيحة في مجالات مثل حوكمة البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وتأهيل الكفاءات، وتحديد الأولويات الاقتصادية التي يمكن أن يحقق فيها الذكاء الاصطناعي أثرًا ملموسًا.

 

كما يجب أن ندرك أن موريتانيا ليست بحاجة إلى تقليد تجارب الدول الكبرى حرفيًا، بل إلى بناء نموذج يناسب واقعها وإمكاناتها. وقد يكون الاستثمار في الخدمات السحابية، وتطوير البيانات الحكومية، وبناء القدرات البشرية أكثر جدوى من مشاريع ضخمة ومكلفة لا تتناسب مع التحديات الحالية، خصوصًا في ظل التحديات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية.

 

إن الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا فقط، بل مشروع دولة. وكلما كانت القرارات مبنية على خبرة عملية ورؤية استراتيجية، زادت فرص نجاح هذا المشروع.

 

رسالتي إلى صناع القرار بسيطة: أنتم تسيرون في الاتجاه الصحيح، لكن نجاح هذه الرحلة يعتمد على اختيار الأشخاص القادرين على قيادتها. فالطموح وحده لا يكفي، كما أن الحماس للتقنيات الجديدة لا يعوض سنوات من الخبرة العملية في تصميم وتنفيذ حلول الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

 

إن موريتانيا تمتلك فرصة حقيقية للحاق بركب الثورة الرقمية، ولكن هذه الفرصة لن تتحقق إلا إذا اجتمع القرار السياسي مع الكفاءة التقنية، والخبرة العملية، والاستفادة من جميع الطاقات الوطنية أينما كانت.

 

المستقبل لا ينتظر أحدًا، والدول التي تستثمر اليوم في العقول والخبرات هي التي ستقود اقتصاد الغد.

الأحدث