تخطى الى المحتوى
محمد المختار سيد هيب

جدول المحتويات

ثمة رجالٌ لا يترك رحيلهم فراغًا فحسب، بل يوقظ في القلوب سؤالًا موجعًا عن معنى الحياة، وعن حقيقة ما يبقى من الإنسان بعد أن يغيب جسده. وكان أيوب سيسي واحدًا من أولئك الرجال النادرين الذين عاشوا للآخرة أكثر مما عاشوا للدنيا، وجعلوا من كل يومٍ زادًا للقاء الله، ومن كل لقاءٍ مع الناس فرصةً لفعل الخير.

 

عرفه كثيرون حارسًا للمرمى، وعرفه آخرون صحفيًا رياضيًا، غير أن تلك لم تكن سوى الصفحات الأولى من سيرته. فمنذ ما يقارب عشرين عامًا، اختار طريقًا آخر؛ طريق الدعوة إلى الله، وتزكية النفس، وخدمة الناس في صمت. لم يعد يلتفت إلى تصفيق الناس، بل كان همه أن يحظى برضا الله.

 

كان ممن يصنعون المعروف في الخفاء، ويمنحون دون انتظار، ويقفون إلى جانب الناس دون ضجيج. ما سمعته يومًا يغتاب أحدًا، ولا رأيته يطعن في عرض إنسان، ولا عرف لسانه السخرية من الناس أو التشفي منهم. وفي زمنٍ أصبحت فيه الكلمات سهامًا، آثر أن يكون كلامه ذكرًا، أو صمتًا يورث السلام.

 

عاد إلى وطنه بعد أكثر من عقدين من الغربة، ليشيع والده إلى مثواه الأخير. واليوم، كلما استعدت ذلك المشهد، خُيِّل إليّ أن الله ساقه إلى بلده ليودع أباه، ثم ليودعنا جميعًا، قبل أن يلحق به النداء الذي لا يرده أحد.

الراحل أيوب سيسي رحمه الله تعالى

في نيويورك، كلما حطت بي الأيام هناك، كان أيوب أول من يمد يده. يأتي إليّ ببشاشته المعهودة، ويأخذني إلى الحي الإفريقي، حيث كنا نتقاسم طبقًا من الثيبو ديين أو المافي، ونقتسم معه الشوق إلى الوطن. كانت جلساته تُنسي الغربة غربتها، وترد إلى القلب شيئًا من دفء الأهل، وكان حضوره وحده يكفي ليجعل المدينة أقل قسوة.

 

لم يكن حبه لموريتانيا شعارًا يرفع، بل خلقًا يعيشه. كان يحلم أن يخدمها في عفة اليد، ونقاء الضمير، واستقامة السيرة، مؤمنًا بأن الأوطان لا ينهض بها المال وحده، وإنما تنهض برجالٍ يجعلون الواجب قبل المصلحة، والحق قبل المنفعة، والأمانة قبل المغنم.

 

غير أن وطننا، ويا للأسف، كثيرًا ما يفسح الطريق لمن يمثلون نقيض ما كان عليه أيوب. ففيه تُزاحم الأهواءُ الكفاءة، ويغلب الولاءُ الاستحقاق، وتجد الانتهازية منابرها، بينما يمضي أهل النزاهة في صمت، كأنهم غرباء في أرضهم. ومع ذلك، لم يحمل أيوب في قلبه غلًّا، ولم يعرف اليأس سبيلًا إليه. ظل يوقن أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن ميزان السماء أعدل من موازين الأرض.

 

كان أيوب ابن موريتانيا بكل ألوانها، وجسرًا بين ثقافاتها، يحمل في روحه رحابة إفريقيا، وفي وجدانه نور الإسلام، وفي أخلاقه سماحة الإنسان. كان يمثل الصورة التي نحلم أن يرى بها العالم بلادنا؛ صورة التواضع، والكرم، والوفاء، والصدق، والإخلاص.

 

أما تفاؤله، فلم يكن غفلة عن قسوة الحياة، بل كان ثمرة يقينٍ عميق بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن البلاء يمضي، ويبقى الأجر، وأن القلب إذا امتلأ بالله ضاقت الدنيا عن أن تهزمه.

 

لقد ذكرنا رحيله بحقيقة يغفل عنها كثيرون: أن الإنسان لا يُقاس بما جمع، ولا بما نال من المناصب، بل بما تركه في القلوب من أثر، وفي الأرواح من نور، وفي صحائفه من عمل صالح. فمن الناس من يرحل تاركًا أموالًا، ومنهم من يرحل تاركًا ضجيجًا، وأيوب رحل تاركًا سيرةً طيبة، وهي خير ما يورثه المرء بعد موته.

 

نسأل الله أن يفيض عليه من واسع رحمته، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيه عن كل يدٍ امتدت بالعون، وعن كل قلبٍ أدخل عليه السرور، وعن كل كلمةٍ طيبةٍ قالها، خير الجزاء.

 

وسيظل أيوب حاضرًا في دعوات من أحبهم، وفي دموع من عرفوه، وفي ذاكرة كل من لقي فيه إنسانًا نادرًا، طاهر القلب، سليم الصدر.

 

وداعًا يا أيوب…

 

لقد عشت خفيفًا على الدنيا، ثقيلًا في ميزان الأخلاق، ورحلت كما يعيش الصالحون؛ في هدوء، تاركًا خلفك شوقًا لا ينقضي.

 

نسأل الله أن يجمعنا بك في دارٍ لا فراق فيها، ولا حزن، ولا موت… ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.

الأحدث