تخطى الى المحتوى

الاسمنت في موريتانيا: بين خفض الأسعار وحماية صناعة وطنية قادرة على المنافسة

المختار ولد باباه - خبير اقتصادي

جدول المحتويات

يُعد ملف الإسمنت من القضايا الاقتصادية التي تتطلب نقاشًا مبنيًا على الأرقام والمعطيات، بعيدًا عن الحلول السريعة أو المقاربات الشعبوية. فخفض سعر الإسمنت للمواطن هدف مشروع، لكنه لا يمكن أن يتحقق على حساب استدامة الاستثمار، وفرص العمل، والموارد العمومية، والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

 

إن الوضعية الحالية لقطاع الإسمنت في موريتانيا ليست بسبب وجود صناعة وطنية، وإنما نتيجة غياب التخطيط الصناعي عند توجيه الاستثمارات. فقد تم خلال السنوات الماضية ضخ استثمارات تتجاوز 600 مليون دولار أمريكي، أدت إلى إنشاء طاقات إنتاجية تقارب 3 ملايين طن سنويًا، مقابل سوق محلي لا يتجاوز حوالي مليون طن سنويًا.

 

هذا الاختلال بين القدرة الإنتاجية وحجم الطلب أدى إلى انخفاض معدل استغلال المصانع وارتفاع تكلفة الوحدة المنتجة بسبب ثقل التكاليف الثابتة. وبالتالي فإن المشكلة الأساسية ليست في وجود المصانع، بل في كيفية جعل هذه الطاقات الإنتاجية أكثر تنافسية واستغلالًا.

 

إن فتح باب استيراد الإسمنت، وخاصة من الجزائر، قد يؤدي إلى انخفاض نسبي في الأسعار على المدى القصير، بالنظر إلى قدرة الجزائر التنافسية الناتجة عن توفر الكلنكر والطاقة وحجم الإنتاج. غير أن الاستيراد المفتوح وغير المدروس قد يخلق آثارًا عكسية، من خلال الضغط على المصانع الوطنية، وتقليص الإنتاج المحلي، وتعريض استثمارات تفوق 600 مليون دولار للخطر، إضافة إلى فقدان جزء من القيمة المضافة والضرائب المرتبطة بالنشاط الصناعي.

 

لذلك فإن الاستيراد يمكن أن يكون أداة توازن عند الحاجة، وليس بديلًا عن بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة.

 

مسؤولية المستثمر ودور الدولة

إن الدفاع عن الصناعة الوطنية لا يعني أن تتحمل الدولة أخطاء المستثمرين أو تعوضهم عن قرارات استثمارية غير مدروسة. فالمستثمر مسؤول عن إدارة مشروعه، وتحسين إنتاجيته، وضبط تكاليفه، وتحمل مخاطر السوق.

 

لكن للدولة دور مشروع في معالجة الاختلالات الهيكلية التي تؤثر على تنافسية قطاع استراتيجي، خاصة ما يتعلق بتكلفة الطاقة، والرسوم الجمركية، والضرائب على المدخلات الأساسية. فهذه الإجراءات ليست دعمًا لمستثمر بعينه، بل سياسة اقتصادية تهدف إلى خفض تكلفة الإنتاج وحماية المستهلك وتعزيز القدرة التنافسية.

 

ويجب أن تكون أي إجراءات تخفيفية مرتبطة بالتزامات واضحة من المصانع، خصوصًا خفض الأسعار، تحسين الجودة، ورفع الكفاءة الإنتاجية.

 

الكلنكر والطاقة: قلب معادلة التكلفة

تتركز تكلفة إنتاج الإسمنت أساسًا في عنصرين رئيسيين: الكلنكر والطاقة.

 

وتتوزع تكلفة إنتاج طن الإسمنت عادة على النحو التالي:

- الكلنكر: حوالي 35 إلى 45% من التكلفة

- الطاقة: حوالي 25 إلى 35%

- الصيانة والتشغيل وباقي المصاريف: النسبة المتبقية

 

ويحتاج إنتاج طن واحد من الإسمنت إلى حوالي 0.75 طن من الكلنكر. فإذا كان سعر طن الكلنكر واصلًا إلى نواكشوط في حدود 70 دولارًا، فإن تكلفة الكلنكر وحده داخل طن الإسمنت تقارب 52 دولارًا قبل إضافة تكاليف الطحن والطاقة والتعبئة والتشغيل.

 

وهذا يوضح أن الحل لا يكمن فقط في الضغط على هامش الربح، وإنما في خفض عناصر التكلفة الأساسية.

 

أسعار دول الجوار: اختلاف السعر يعكس اختلاف النموذج الصناعي

تظهر المقارنة الإقليمية أن أسعار الإسمنت تختلف حسب النموذج الصناعي وحجم السوق:

 

- الجزائر: حوالي 65 دولارًا للطن خروج المصنع، بفضل إنتاج الكلنكر محليًا، والطاقة التنافسية بفعل إنتاج الغاز، وحجم السوق الكبير كثر من أربعين مليون نسما.

- المغرب: حوالي 80 دولارًا للطن، مستفيدًا من سوق يتجاوز 15 مليون طن سنويًا واقتصاديات الحجم وإنتاج الكلنكر محليًا.

- السنغال: حوالي 115 دولارًا للطن، نتيجة ارتفاع بعض عناصر التكلفة رغم وجود صناعة قوية وسوق منفتح على شبه المنطقة.

- ساحل العاج: حوالي 125 دولارًا للطن، بسبب تكاليف الطاقة واللوجستيك مع وجود طلب داخلي قوي.

مالي: حوالي 165 دولارًا للطن بسبب ارتفاع النقل والبعد عن الموانئ.

 

وتؤكد هذه المقارنة أن حجم السوق عنصر حاسم؛ فالمصنع الذي ينتج مليون طن لا يمكن أن تكون تكلفته مثل مصنع ينتج خمسة أو عشرة ملايين طن، لأن التكاليف الثابتة تتوزع على حجم إنتاج أكبر.

 

إصلاح السوق وخفض التكلفة

الحل الاقتصادي المتوازن يجب أن يقوم على حزمة إجراءات مترابطة:

- تعزيز المنافسة ومنع أي ممارسات تؤثر على الأسعار.

- تخفيض الرسوم والضرائب على الكلنكر ومدخلات الإنتاج خلال مرحلة انتقالية.

- ربط أي تخفيضات ضريبية بالتزام المصانع بخفض الأسعار وتحسين الإنتاجية

- خفض تكلفة الطاقة باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في التكلفة.

- اعتماد آلية شفافة لحساب التكلفة الحقيقية وتحديد هامش ربح معقول، مثل 20%، مع مراقبة السوق.

 

كما يمكن إنشاء منصة مشتركة لتجميع مشتريات مصانع الإسمنت من الكلنكر، بما يسمح بشراء كميات أكبر، والحصول على شروط أفضل، وتقليل تكاليف النقل والمناولة.

 

وعلى المدى المتوسط، ومع توسع شبكة الكهرباء الوطنية، وربط شرق البلاد وغربها بخط الجهد العالي نواكشوط النعمة 1200 كلم ورفع المزيج الطاقي من الطاقات المتجددة والغاز ليصل إلى 60% من الإنتاج العام للكهرباء مما سيخفض كلفة الطاقة. يمكن دراسة إنشاء منصة إنتاج إسمنت في وسط البلاد، مثل منطقة كيفة، تبدأ بمصنع لطحن الكلنكر وإنتاج الإسمنت، مما يقلل تكاليف النقل، ويوسع السوق الداخلي، ويخلق قطبًا صناعيًا جديدًا خارج نواكشوط.

 

الأثر المتوقع على السعر والاقتصاد

في حال تطبيق هذه الإصلاحات، خاصة خفض تكلفة الطاقة بنسبة 50%، وتقليل الرسوم على المدخلات، وخفض ضريبة القيمة المضافة إلى 5%، يمكن أن تنخفض تكلفة الإنتاج من حوالي 70 دولارًا للطن إلى حدود 55 – 60 دولارًا.

 

ومع هامش ربح معقول، يمكن أن يصل السعر النهائي للمستهلك إلى حدود 70 دولارًا للطن تقريبًا، مع الحفاظ على استمرارية الصناعة.

 

ورغم احتمال انخفاض بعض الإيرادات الضريبية والجمركية في البداية، فإن الدولة ستستفيد من:

- زيادة حجم الإنتاج

- توسع النشاط العمراني

- انخفاض تكلفة مشاريع البنية التحتية

- الحفاظ على القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني

 

الرهان الاستراتيجي: إنتاج الكلنكر محليًا

يبقى الحل طويل الأمد هو الانتقال إلى إنتاج الكلنكر محليًا اعتمادًا على الموارد الجيولوجية المتوفرة في إنشيري والبراكنة، والاستفادة من تطور قطاع الطاقة من خلال الغاز والطاقة المتجددة.

 

إنتاج الكلنكر محليًا سيخفض تكلفة الإنتاج، ويمنح موريتانيا قدرة تنافسية أكبر، ويمكن أن يحول فائض الطاقة الإنتاجية الحالي إلى فرصة للتصدير نحو أسواق غرب إفريقيا.

 

إن التحدي الحقيقي لقطاع الإسمنت في موريتانيا ليس وجود صناعة وطنية، بل غياب التخطيط الصناعي الذي رافق تطور الاستثمارات. وتصحيح الوضع لا يكون بهدم صناعة تجاوزت استثماراتها 500 مليون دولار، ولا بتحميل الدولة أخطاء المستثمرين، وإنما ببناء سياسة صناعية متوازنة.

 

الدولة تضع الإطار الذي يخفض تكلفة الإنتاج ويحمي المنافسة، والمستثمر يتحمل مسؤولية الكفاءة والجودة والسعر.

 

فالسياسة الاقتصادية الناجحة هي التي تحقق التوازن بين:

- سعر عادل للمواطن،

- استثمار مستدام،

- مالية عامة قوية،

- وصناعة وطنية قادرة على المنافسة والتصدير.

الأحدث