جدول المحتويات
تقاس نهضة الأمم بجودة مؤسساتها، وتقاس جودة المؤسسات بكفاءة العنصر البشري الذي يديرها.
غير أن الكفاءة لا تعني المعرفة وحدها، ولا تختزل في الشهادات أو المهارات التقنية، بل تكتمل بالأخلاق المهنية التي تمنح المعرفة قيمتها، وتجعل من صاحبها مصدرا للثقة والاحترام.
من المؤسف أن المتأمل في واقع بعض المهن الحيوية، كالطب والتعليم والأمن والإدارة يلاحظ أن هناك من يمتلك تأهيلا علميا جيدا، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات التعامل الإنساني. ولا يقصد بذلك التعميم، فهذه القطاعات تزخر بكفاءات مخلصة ونماذج مشرفة، إلا أن وجود حالات متكررة من التعالي، وسوء المعاملة، وغياب الاحترام، يدفع إلى طرح سؤال جوهري: هل أصبح التكوين المهني يركز على صناعة الموظف، وينسى صناعة الإنسان؟
إن الطبيب لا يتعامل مع حالة سريرية فحسب، بل مع إنسان يتألم ويبحث عن الطمأنينة قبل الدواء. والأستاذ لا يلقّن المعلومات فقط، بل يغرس القيم ويصنع العقول. ورجل الأمن لا يطبق القانون فحسب، بل يجسد هيبة الدولة وعدالتها في نظر المواطن. فإذا غابت الأخلاق، فقدت هذه المهن جزءا كبيرا من رسالتها، مهما بلغت الكفاءة العلمية لأصحابها.
إن كثيرا من مؤسسات التكوين تمنح اهتماما واسعا للجوانب العلمية والتقنية، لكنها لا تمنح الأخلاق المهنية والتواصل الإنساني والتربية على المسؤولية المكانة التي تستحقها. والحال أن هذه الجوانب ليست مواد تكميلية، بل هي أساس نجاح الممارسة المهنية. فكم من صاحب شهادة عالية خسر احترام الناس بسبب سوء خلقه، وكم من مهني بسيط كسب قلوب الناس بحسن معاملته وسمو أخلاقه.
كما ينبغي أن يدرك أصحاب هذه المهن أن المجتمع ليس كتلة واحدة من حيث مستوى التعليم والثقافة والوعي، ولذلك فإن طبيعة عملهم تفرض عليهم الصبر، وسعة الصدر، والقدرة على التواصل مع مختلف الفئات، دون استعلاء أو استهزاء أو تضجر. فالمواطن الذي يقصد المستشفى أو المدرسة أو الإدارة أو مركز الشرطة لا يطلب معروفا، بل يمارس حقا تكفله له الدولة، ومن واجب الموظف أن يؤدي رسالته باحترام وكرامة.
ولا يمكن معالجة هذا الخلل بمجرد الدعوة إلى التحلي بالأخلاق، بل يتطلب الأمر مراجعة شاملة لمنظومة التكوين، بحيث تُدمج الأخلاق المهنية في جميع مراحل الإعداد، وتُربط بالجانب التطبيقي، مع اعتماد آليات لتقييم السلوك المهني، إلى جانب تقييم الكفاءة العلمية.
كما يجب أن تستمر برامج التأهيل والتدريب بعد التخرج، وأن تكون المحاسبة على السلوك المهني جزءًا لا يتجزأ من ثقافة المؤسسة.
إن الأمم لا تبنى بالخبراء وحدهم، وإنما تبنى بالخبراء الذين يمتلكون ضميرا حيا.
فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة على أداء العمل، أما الأخلاق فتعلمه لماذا يؤديه، وكيف يؤديه، ولأجل من يؤديه. وحين نجمع بين العلم والأخلاق، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لمؤسسات تحترم الإنسان، وتستحق ثقته، وتسهم في بناء مجتمع أكثر عدلا ورقيا.