جدول المحتويات
السادة، السيدات،
ستجتمعون قريباً حول طاولة واحدة لأشغال الحوار الوطني. إنها محكّ الحقيقة، ولحظة نادرة يمنح فيها شعبٌ نفسه فرصة النظر في وجهه، بلا تجميل ولا مراوغة.
ستكون النقاشات المرتقبة شديدة. فالإرث الإنساني الأليم، وتداعيات العبودية، والمطالب المتعلقة بالأوضاع الاجتماعية التي طال كبتها... كلها جروح لا تزال نازفة، سيحملها بعضكم معه عند ولوج القاعات. ذلك حق مشروع، وتلك طبيعة بشرية. لكن تذكروا أن:
- التعاطف هشّ. تكفي إشارة أو كلمة طائشة لتمزيق نسيج الأخوة الذي صبر طويلاً.
- كلمة زائدة، أو نبرة متعالية، أو مقاطعة ازدرائية... وكل جهودكم للوصول إلى نتيجة توافقية تتبدد. تحلّوا بفن الإصغاء العسير؛ استمعوا لا لتردوا، بل لتفهموا. ما ستسمعونه سيزعجكم أحياناً: وهذا هو ثمن الحقيقة.
- كلنا، بدرجات متفاوتة، أسرى جروحنا ومخاوفنا.
كلما استشاط فيكم الغضب، تذكروا لماذا أنتم هناك. لستم هناك لتربحوا جدالاً أو تذلوا خصماً. أنتم هناك لتبنوا شيئاً أعظم: مستقبل موريتانيا الغالية. النضج السياسي ليس في غياب المشاعر، بل في عدم تركها تحكم بدلاً عنكم.
ليتحدثوا الحسانية، أو البولارية، أو السوننكية، أو الولوفية، فجميع الموريتانيين يشتركون في حالة إنسانية مشتركة.
من العبث إقامة جدران بين كائنات تتنفس الهواء نفسه، وترتجف تحت المخاوف ذاتها، وتأمل تحت النجوم ذاتها.
هذه الأرض لنا جميعاً، وهي لا تحتمل أن نمزقها.
لا بد من قول بعض الحقائق دون مواربة: المعاناة الناتجة عن تداعيات العبودية، ومآسي الإرث الإنساني، والتمييز المستمر. لا ينبغي التغاضي عن هذه الحقائق باسم سلام اجتماعي زائف. لكن يجب أن تُقال بإرادة للشفاء، لا لإحداث المزيد من الجراح.
الكراهية نكران لجوهرنا، والعنصرية تشويه للعقل. المعركة الوحيدة الجديرة بالخوض هي معركة الظلم؛ والخطوة الوحيدة التي يجب قطعها هي التي تبتعد بنا عن اللامبالاة بمحنة إخواننا.
يذكرنا القرآن الكريم بوضوح لا يحتمل اللبس: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، هذه الآية هي مطلب أخلاقي مطلق، ودعوة لتجاوز الضغائن لبناء ما ينتظره الله منا.
يحذر المثل الحساني: "لا يتكل القبيلة اعل أحرارها". تعلم الحكمة الشعبية أن القادة، بقراراتهم المتهورة، قد يضرون بمن يفترض أن يحموهم. وهذا المثل ينطبق عليكم: قراراتكم اليوم ستلزم الشعب الموريتاني بأكمله، في سياق إقليمي هشّ بالفعل. إن حالة عدم الاستقرار السائدة في محيطنا المباشر تذكرنا بأن الأمم التي تفشل في المصالحة مع نفسها تصبح فريسة للاضطرابات الخارجية. موريتانيا لا تتحمل ترف الفشل.
آلاف الموريتانيين، من جميع الأعراق، يحملون ندوباً لن تروها. من أجلهم، كما من أجل الأجيال القادمة، اجتمعتم.
تبنى الكرامة الإنسانية في التضامن، وتنحل في النسيان. وهي تفرض علينا يقظة دائمة، ووفاءً لمن عانوا. لا تخونوا ذكراهم.
الأخوة ليست مجرد عاطفة، بل أخلاق تتسم بالصرامة. لا تطلب منكم أن تحبوا الجميع، بل تطلب أن تعاملوا كل فرد بعدل؛ وأن تشرعوا لا لقبيلتكم أو طائفتكم، بل للشعب الموريتاني بتنوعه كله؛ وأن تكونوا قادرين على أن تعترفوا في الآخر بكائن جدير بنفس الاحترام الذي تطالبون به لأنفسكم.
هذه الأشغال ليست اجتماعاً عادياً. إنها تعقد في لحظة حاسمة.
تتحملون مسؤولية عظيمة أمام الشعب وأمام التاريخ. فعليكم تحملها كاملة.
فالتاريخ لا يحكم على النوايا، بل على الأفعال. ولا يلتفت للخطب، بل يثبت ما أُنجز أو ما فات.
بعد عشرين عاماً، سيقرأ أبناؤكم محاضر هذه الأيام. ماذا سيقرؤون؟ مناقشات ضيقة بين رجال ونساء أسرى مصالحهم الخاصة؟ أم أسس ميثاق وطني يليق بهذا الاسم؟
لقد نجت موريتانيا من عواصف كثيرة. وهي تمتلك القدرات الداخلية لبناء دولة موثوقة ودائمة، بشرط أن يتحلى أبناؤها بالشجاعة ليختاروا بعضهم البعض، متجاوزين الذكريات الجريحة والمخاوف الموروثة.
إنني أعرب عن أمنياتي الصادقة بأن تكون هذه الأشغال، الفعل التأسيسي لبلدنا لعصر جديد: عصر يشعر فيه كل موريتاني، مهما كان أصله، بأنه في بيته؛ في هذا البيت المشترك الذي نسميه الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
مع كامل احترامي وثقتي في إحساسكم بالمسؤولية.