تخطى الى المحتوى

الزراعة والرعي في موريتانيا: رهان الأمن الغذائي في زمن التغير المناخي

سيد المختار كواد - باحث بمجالات العقار والتعمير والبيئة - sidi.mouktar@gmail.com

جدول المحتويات

تندرج تنمية قطاعي الزراعة والرعي في موريتانيا ضمن الأولويات المرتبطة بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما ينسجم الاهتمام بهما مع توجهات استراتيجية النمو المتسارع والرفاه المشترك (SCAPP) للفترة 2016 – 2030، التي اعتمدتها موريتانيا كإطار مرجعي للسياسات التنموية، من خلال التركيز على تنويع الاقتصاد، وتعزيز الإنتاجية، ودعم التنمية المحلية، وتحسين ظروف عيش السكان.

وتحتل الزراعة والرعي مكانة مهمة في البنية الاقتصادية والاجتماعية لموريتانيا، حيث يرتبط بهما النشاط الريفي ومصادر عيش فئات واسعة من السكان. ومع التغيرات المناخية المتسارعة، أصبح هذان القطاعان في قلب النقاش حول إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وتقدم وثيقة المساهمة المحددة وطنياً الثالثة لموريتانيا (CDN 3.0) للفترة 2025 – 2023 إطاراً مرجعياً لتحديد واقع القطاع الزراعي والرعوي، ورصد التحديات المناخية المرتبطة به، واقتراح مسارات للتخفيف (Atténuation) والتكيف (Adaptation) مع التغيرات المناخية.

تشير المعطيات الواردة في الوثيقة إلى أن الزراعة والرعي يوفران سبل العيش لما يقارب 62% من السكان، ويساهمان في تشغيل حوالي 21% من القوة العاملة النشطة، وهو ما يعكس أهمية القطاعين في الاقتصاد الريفي.

وتتوفر موريتانيا على إمكانات زراعية تقدر بحوالي 500 ألف هكتار من الأراضي القابلة للزراعة، إضافة إلى ثروة حيوانية تقارب 20 مليون رأس من الماشية، منها حوالي 16 مليون رأس من المجترات الصغيرة.

غير أن هذه الإمكانات تواجه تحديات مناخية وبيئية، من بينها تغير أنماط التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الغطاء النباتي، وتأثير ذلك على المراعي والموارد المائية والإنتاج الزراعي.

وبحسب معطيات CDN 3.0، يمثل قطاع الزراعة والثروة الحيوانية أحد أهم مصادر الانبعاثات المباشرة لغازات الاحتباس الحراري في موريتانيا، حيث بلغت الانبعاثات المرتبطة به حوالي 8508.11 جيجا غرام مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنة 2022، أي ما يعادل حوالي 65.97% من إجمالي الانبعاثات المباشرة.

كما تشير التقديرات إلى إمكانية ارتفاع الانبعاثات في السيناريو المرجعي إلى حوالي 13766 جيجا غرام سنة 2035، مما يجعل تطوير أساليب إنتاج أكثر كفاءة واستدامة ضرورة مرتبطة بالأمن الغذائي والحفاظ على الموارد.

وتتضمن المقاربة المناخية للقطاع إجراءات مرتبطة بالتخفيف (Atténuation)، من بينها تحسين الإنتاج الحيواني، وتطوير تغذية المواشي، واعتماد ممارسات زراعية تساعد على المحافظة على الموارد الطبيعية.

وتبرز ضمن هذه الإجراءات أهمية تحسين السلالات الحيوانية، حيث تشير تقديرات الوثيقة إلى مساهمة التحسين الوراثي للأبقار بنسبة تصل إلى 54.73%، وتحسين تغذية المجترات الصغيرة بنسبة تقارب 40.08%، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بالزراعة المحافظة على التربة والتشجير الرعوي.

أما على مستوى التكيف (Adaptation)، فتتأثر المناطق الزراعية والرعوية بشكل مباشر بظواهر الجفاف وتغير الظروف المناخية، مما ينعكس على توفر المياه وإنتاجية الأراضي وحركة الثروة الحيوانية.

إن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعزيز التكامل بين التنمية وحماية الموارد الطبيعية، من خلال تحسين التخطيط لاستعمالات الأراضي، وتطوير متابعة الموارد عبر التقنيات الحديثة، وتشجيع الممارسات الزراعية الملائمة للبيئات الجافة.

كما تبرز أهمية تطوير الاقتصاد الدائري في الوسط الريفي عبر تدوير النفايات الزراعية والحيوانية وتحويلها إلى أسمدة عضوية أو أعلاف، بما يساهم في تحسين خصوبة التربة، وتقليل الهدر، ورفع القيمة الاقتصادية للموارد المحلية.

وتبقى إدارة المياه والتربة، وتعزيز مشاركة الفاعلين المحليين، من العناصر الأساسية لضمان استدامة القطاع وتحقيق الأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، تعكس وثيقة CDN 3.0 تطوراً في معالجة القضايا المناخية، من خلال إدماج المعطيات القطاعية ضمن رؤية تخطيطية تربط بين حماية الموارد والتنمية. كما أن جهود وزارة البيئة والتنمية المستدامة في إعداد وتحديث هذه الوثيقة تعزز إدماج البعد البيئي داخل التخطيط الوطني وربط التحديات المناخية بالقطاعات الإنتاجية.

إن مستقبل الزراعة والرعي في موريتانيا يرتبط بالقدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج والمحافظة على الموارد الطبيعية. وتبقى إدارة الأرض والمياه والمراعي، في إطار رؤية تنموية متكاملة، من العناصر الأساسية لضمان استدامة هذا القطاع الحيوي خلال العقود القادمة.

الأحدث