تخطى الى المحتوى

الأسمنت الموريتاني: هل حان وقت الانفتاح؟

د. مولاي ولد أب ولد أكيك

جدول المحتويات

أثار استيراد شحنة الأسمنت الأخيرة من الجزائر نقاشًا أوسع حول مفهوم حماية المنتج الوطني وحدودها. فبينما يرى بعض الفاعلين الاقتصاديين أن حماية الإنتاج المحلي ضرورية للحفاظ على الاستثمار الوطني ودعم الصناعة وتوفير فرص العمل، يرى آخرون أن الحماية المفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال إضعاف المنافسة وارتفاع الأسعار وتحميل المستهلك تكلفة إضافية.

 

من حيث المبدأ، يمثل دعم الإنتاج الوطني هدفًا مشروعًا للسياسات الاقتصادية، خصوصًا في حالة الصناعات الناشئة التي تحتاج في مراحلها الأولى إلى ظروف تساعدها على بناء قدراتها والوصول تدريجيًا إلى مستوى يسمح لها بالمنافسة. غير أن التجارب تُظهر أن الحماية لا تحقق أهدافها إلا إذا كانت جزءًا من سياسة صناعية متكاملة ترتبط بتحسين الإنتاجية ورفع الجودة وخفض التكاليف، لا أن تتحول إلى حماية دائمة تعزل القطاع عن المنافسة.

 

وفي حالة صناعة الأسمنت الموريتانية، يبرز تساؤل جوهري يتعلق بطبيعة القيمة المضافة المحلية: هل نحن أمام صناعة متكاملة تغطي سلسلة الإنتاج من المدخلات الأساسية إلى المنتج النهائي، أم أمام نشاط يعتمد أساسًا على استيراد مادة الكلنكر باعتبارها المكوّن الرئيسي، ثم الاكتفاء بعمليات الطحن والتعبئة؟ ويكتسي هذا التمييز أهمية في تحديد مستوى الحماية المناسب، إذ تختلف حماية صناعة متكاملة عن حماية نشاط يقوم على مدخلات مستوردة بشكل كبير.

 

وقد استفاد قطاع الأسمنت محليًا من إطار تنظيمي وجمركي وفر له قدرًا من الحماية من المنافسة الخارجية لفترة طويلة من الزمن، كان يُفترض أن تتيح للصناعة بناء قدراتها وتعزيز كفاءتها تدريجيًا. وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى تحققت الأهداف التي من أجلها وُضعت هذه الحماية؟ وهل أسهمت فعليًا في رفع التنافسية وتحسين الإنتاجية والجودة، أم أنها مع مرور الوقت حدّت من أثر المنافسة كأداة لتحفيز النمو؟

 

وتزداد هذه التساؤلات حضورًا في ظل الملاحظات المتكررة حول ارتفاع الأسعار مقارنة ببعض دول الجوار، واستمرار الجدل بشأن جودة المنتج، وهو ما يعزز الحاجة إلى تقييم موضوعي لنتائج السياسات المعتمدة بدل الاكتفاء بالتصورات العامة حول الحماية.

 

في المقابل، لا ينبغي النظر إلى فتح السوق أمام المنافسة الخارجية باعتباره تهديدًا للصناعة المحلية، بل كأداة لإعادة ضبط التوازن داخل السوق وتحفيز المنتجين على تحسين الأداء وخفض التكاليف ورفع الجودة. فالمنافسة المنظمة لا تتعارض مع دعم الصناعة، بل قد تكون شرطًا لتطويرها واستدامتها على المدى المتوسط والطويل.

 

وفي ضوء التجربة الموريتانية مع حماية صناعة الأسمنت، يتضح أن هذا النموذج، رغم ما وفره من استقرار نسبي ودعم للاستثمار في مرحلة سابقة، لم يعد كافيًا وحده لمعالجة الإشكالات المرتبطة بالأسعار وجودة المنتج ومستوى الكفاءة. ويبدو أن استمرار الجدل حول أداء القطاع يعكس أن الحماية بصيغتها الحالية لم تتحول بالقدر الكافي إلى مكاسب تنافسية مستدامة.

 

في ضوء ما سبق، يبدو من الملائم إعادة النظر في النهج الحالي عبر انفتاح تدريجي ومدروس على المنافسة الخارجية، بما يختبر قدرة القطاع على التكيف مع بيئة أكثر تنافسية، ويدفع نحو رفع الكفاءة وتحسين الجودة وخفض التكاليف، بما يعزز تنافسية صناعة الأسمنت على المدى المتوسط والطويل.

الأحدث