جدول المحتويات
لكل واحد منا ذكرياته التي تنبعث أحيانا حين تربط بمناسبات تشابهها أو تحاكيها، ومن أبرز تلك الذكريات امتحان الباكالوريا؛ تلك المحطة الفاصلة في مسار كثير من التلاميذ، والمحددة في نظر كثيرين لمستقبلهم. ومن التجربة الشخصية، فإني أعتبرها محطة مليئة بالأمل والتفاؤل وقدر غير يسير من القلق والانتظار.
أجريتُ الامتحان حينها في مدينة انواذيبو الوادعة، التي احتضنتني دراسياً طيلة المرحلة الثانوية، حظينا فيها بصفوة من أساتذة الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية، وإن شئت أضفت إليهم أساتذة اللغتين العربية والفرنسية ومادة التربية الإسلامية، كانوا هم خيرة الأساتذة في موادهم - وبشهادة الجميع - في تلك المدينة الساحلية، بل وحتى من أفضل أساتذة البلاد بكل اقتدار.
كان لهذا الطاقم التدريسي الفضل أن حببنا إلى تلك المواد، التي لا يتقن تحبيبها إلا من امتلك مواهباً في التبسيط، وفهم التلميذ، وطرق الوصول إلى عقله وإدراكه، مع تواضع وأخلاق، وهذا هو لب كثير من المشكلات التي يعاني منها العديد من الأساتذة اليوم.
هذا المسار الذي حُدد لنجاحه أو فشله، ثلاثة أيام ونصف فقط، كفيلة بأن ترسم في ذهنك ضياع سنوات، أو تفتح أمامك أبواب المستقبل.
ولنعود إلى تلك اللحظات، فلا أخفيكم أن أشد ما كنت أخشاه أن يكون هذا الاختبار، على قِصر مدته، المعروف عندكم بـ"الباكالوريا" نقطة تحول في حياتي، قد يبدد، في نظرنا آنذاك، كل تلك الطموحات التي حملناها معنا منذ الصبا.
بدأ الامتحان صبيحة يوم الإثنين، كانت صبيحة هادئة من صبيحات تلك المدينة على عادتها (المدينة يغلب عليها النشاط الليلي)، لكنه بالنسبة لنا يوم آخر مغاير تماماً، تفتيش عند الباب، ثم بحث عن قاعة، يليه بحث عن رقم تسلسلي، يُلزم عليك أن تجلس مقابله، أتذكر تلك الطاولة التي جلست عليها، كانت في الصفوف الأمامية، لا يفصلها عن السبورة سوى طاولة أو طاولتان.
مر اليوم الأول بمواده الثانوية، ثم الثاني بمادتنا الرئيسية الرياضيات ومادة لغوية بالمساء (لم أعد أتذكر هل هي اللغة العربية أم اللغة الإنكليزية).
ليأتي اليوم الثالث، وهو بالنسبة لي - وأعتقد أنه بالنسبة لكثيرين - هو المحدد الحقيقي لدرجة التفاؤل بين السلبي أو الإيجابي، خرجت وقد تكوّنت لدي صورة شبه مكتملة عن مستواي في الامتحان.
وأتذكر أننا كنا نلتقي أحياناً ببعض أساتذتنا، فنقص عليهم بعض ما كتبنا، ونتبادل معهم الرأي. كانوا يخففون عنا وطأة الامتحان، ويشحذون عزائمنا فيما بقي منه.
وفي اليوم الرابع والأخير، أسدل الستار على مجموعة من الذكريات المتضاربة في آن، فعند خروجك من مادتك الأخيرة تبدأ في تجميع كل تلك الأشياء التي مرت عليك بين التحسر والاطمئنان.
مرت أيام بدت لي وكأنها أعوام، كانت غايتي فيها معرفة المعدل العام، أما غير ذلك فقد حددته لي فراستي من يومي الثالث، كما ذكرت سالفاً، كانت الخشية تكمن أكثر في التصحيح وما يكتنفه من قلاقل، فما أقسى أن يتوقف مستقبل إنسان على تقدير مصحح، قد لا يكون في أفضل أيامه، فيضيع بذلك جهد وطموح.
كتب الله أن تكون خاتمتها على خير، وأن تفتح مساراً آخر، هو كالحياة، بل هو الحياة بكل تجلياتها، لا تقطع منه وادياً إلا وسلمك لواد آخر.
كل التوفيق لأبنائنا الممتحنين.