تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

فوضى الأولويات

السياسيون في بلاد المسلمين لا يتعظون من دروس التاريخ، لقد كانت أنابيب النفط التي أهملت بين العراق وسورية مفرحة لمن دشنها ثم طمرها النسيان ومات أصحابها. والغريب ألا تزال تلك الأطماع الاستثمارية تراود الساسة الحاليين من خلال شبكة من المشاريع الوهمية بدأت الدندنة حولها في هذه الأيام، من دون أن يلتفت أصحابها إلى كون الأسباب التي أدت إلى بوار تلك الخطط لا تزال قائمة وبصورة أكثر شراسة واضطرابا مما كانت عليه في السابق. أحلام الساسة التي تحاول فك أزمة بنسج أخرى تتكرر ها هنا، ومثلهم كمن يدع تهيئة الأرضية وبناء الأعمدة والجدران وينشغل بصب السقف على الأرض بحماسة، لتبدي له الأيام حينما يحاول رفع السقف بأنه قد نسي القواعد!

 

أعني بذلك أن الوحدة بين الدول الإسلامية على ما توحدت عليه في التاريخ هي أولى المشاريع بالعناية، والباقي يأتي تبعا، وقد لا يحتاج قادة الشعوب المسلمة بعد الوحدة على الشهادتين إلى مشاريع بديلة عما هو موجود، أو أن الأولى بهم عدم مد شيء من ثروات الأمة إلى الأعداء، لأن تقوية الأعداء بمال الأمة سيعود علينا بالوبال، ومن جرب المجرب فعقله مخرب! {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم}.

 

بعض الناس يروج للحرب على الله والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ويعتبر ذلك دعما للاستثمار وتطويرا للاقتصاد، ويسجل على نفسه فيديوهات ينشرها تشهد عليه أمام الناس ويوم القيامة ولا حول ولا قوة إلا بالله! على المسلم الحقيقي أن يسأل أهل العلم قبل أن يأخذه الموج إلى جهنم. هذه القروض البنكية فاسدة والسلطة لا تراعي شريعة الله في ما تقدم عليه، وكأن بلاد المسلمين لا راعي لها ولا حرمة.

 

الأشغال العمومية كثير منها أعمال سخرة وليست وظيفة مقدورا عليها من قبل هؤلاء العمال الكهول وبهذه الآلات البسيطة الموضوعة بين أيديهم، كما في تهذيب الحشائش الملاصقة للطرقات؛ آلات تصدّع بضجيجها من يحملها في هذا الحر اللاهب ولا تنقي جوانب الطريق كما يجب. ولنتأمل كيف يستعبد الإنسان في الجزائر، المشرف على العملية يبجل رئيسه، والعمال المساكين يخشون قول الحقيقة أمام الإعلام، والإعلام يتولى إخراج الدعاية بطريقة لا خلو من تضليل، لتبقى الحقيقة هي الغائب الوحيد في هذه المسرحية.

 

أشغال عمومية كهذه تحتاج إلى أيد متينة وآلات خاصة تجز العشب من جذوره وتحوله إلى أعلاف تمون بها الحظائر العامة أو تباع لمن يشتريها، في دورة اقتصادية وعملية فاعلة لحماية السكان والمحاصيل. ولكن أين رجال الدولة الذين يصنعون هذا لأمتهم؟

 

الفلاحة قطاع شاق مثل العسكرية، يحتاج إلى سواعد قوية وعقول رجالية، واقتحام المرأة هذه المجالات يفسد أنوثتها، ولا يمكنها أن تؤدي عملا بهذه القساوة وهي تحتفي بأناقتها. إن سياسة الدولة الجزائرية لا تراعي أحكام الله في الوظيفة العمومية، ولديها تقصير بيّن أفسد أصالة مجتمعنا المسلم، أسأل الله تعالى أن يهديها سواء الصراط!

 

غفلة العظماء

هذه الأقدار تدفع بالحضارة الغربية إلى النهاية ولا مرد لقضائه. وأمام فرنسا فرصة ذهبية كي تنقذ نفسها من الانقراض المتدرج للمدرسين والمتمدرسين كما ينذر بذلك الخبراء، وذلك بحل أوحد لا حل سواه: أن تسلم أمرها لله وتدخل في دينه؛ فحينذاك فقط ستدب الحياة فيها من جديد: زيادة في النسل، وتدفق إخوة لهم في الدين من العالم الإسلامي لنجدتهم، وأسلمة التعليم ستجذب لها مئات الآلاف من الأساتذة الأكفياء، ولعلها بذلك ستكون قاطرة العالم بأسره بفضل الله وكرمه.

 

سيرة المرء لا تنفع صاحبها بعد موته إلا بشروط، ربما تبقي أثره بين الناس ويسجّل من العظماء في التاريخ. ولكن كيف لهذا التاريخ أن يفيد صاحبه وهو في البرزخ؟ ذلك هو بيت القصيد. ولا يبدو أن الإنسان في الغرب يدرك هذه الحقيقة، حقيقة العلاقة بين الفعل والجزاء، لأنه لو أدركها كما يلزم لسيطرت عليه ولاستسلم لشرعتها وعمل لما بعد الموت، لا أن يعمل ما يذكي إعجاب الناس ويبقي أثره بينهم. إيمان الإنسان بالله وحده وبأنه سيرجع إليه لا محالة وبأنه محاسبه، هو المدخل الحقيقي لسيرة أخرى تماما غير التي عاشتها السيدة الفرنسية عقيلة الرئيس الأسبق "جاك شيرك" وغير الذي عمله زوجها كذلك. فلنتأمل كيف يحتفي الفرنسيون بعظمائهم احتفاء الغافل عن الله وعن اليوم الآخر.

 

قراءة العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا مربكة لكثير من المراقبين، ومقاربتهم لها لا تعدو كونها توصيفا للصدام في المرحلة النازية فالسيطرة بعد الهزيمة فالتحرر شيئا فشيئا للألمان من بعد التبعية. والآن تتذرع ألمانيا في خضم سعيها للاعتماد العسكري على نفسها، بحجة بات يعقلها الآخرون: الخطر الروسي الداهم، وألمانيا هي الدرع.

 

ولكن هذه كلها قراءة مادية وليست قرآنية، فلماذا تحدث هذه التحولات إذن؟ ولماذا القوى الكبرى تتصارع؟ ولماذا لا يريد الله لأية قوة أن تستمر؟ وماذا كان مطلوبا منهم فعله وأنكروه؟ وما الفرق بين الأوكرانيين والفلسطينيين في المنظور القيمي لحقوق الإنسان لدى الغرب؟ وما مستقبل هذا العالم البئيس يا ترى؟ وما المطلوب منا تقديمه نحن كأمة مسلمة؟

 

الاستقبال المتحكم فيه بقوة الذي رافق زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى حليفته الكورية الشمالية منسجم مع ثقافة آسيا الوسطى، والحكم مستحكم في الناس كما يظهر من الاستعراض ولا مجال لأن يشذ أحد عن ذلك، والبواطن تقول بأن هنالك سيطرة قاهرة لا تقبل الاختلاف.

 

وعلى العموم، ما حظ الخالق سبحانه من كل هاته الخلائق؟ لا نجد شيئا يوحي بأن هذه الشعوب تعرف ربها ونبيها، وبالتالي فمصيرهم الأخروي لا يبشرهم بالخير. أسأل الله تعالى أن يشرح صدورهم للإسلام، لأنه هو الحقيقة الكبرى التي تهب الحياة والقوة الحقيقية، لا المنافسة الاقتصادية والعسكرية.

 

علماء بلا بصيرة

لا يذكر المتحدثون من علماء الطبيعة المقصود بالطبيعة التي تحسّن إدارة هذه الكائنات، ولم يبينوا لنا كيف تستطيع هذه النباتات والرياح والسحب والمياه أن تتكيف لتعيش؟ وأن تترك مجالا للإنسان الذي "يعقل"؟ وما هو كنه العقل الذي لديها لتعي مصلحتها وطريقة التناغم مع غيرها؟ أي جاهلية تحملها هذه الجامعات التي تخرج عقولا مخصية لا تعرف ربها الذي خلق فسوى، وقدر فهدى! {قتل الإنسان ما أكفره}.

 

لعله من باب التشجيع وذكر محاسن المرء بين الناس أن يمدح حفظة القرآن الكريم، ولكن هل حفظ كتاب الله غيبا هو المطلوب فعله في الولايات المتحدة وفي ديار الكفر بل وفي ديار الإسلام أيضا؟ أظن بأن توجيه الناس الغافلين عن الله إلى معاني القرآن والدعوة إلى تطبيقه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه أهم وأولى، فهم أحوج إلى ذلك من حفظهم له، فبحفظه تعالى له هو محفوظ إلى يوم القيامة استظهره النشء عن ظهر قلب أم لم يفعلوا.

الأحدث