تخطى الى المحتوى

الأزمة المالية بين المقاربة السونية والمقاربة الأساكية..

الأستاذ محمد الأمين القاسم - كاتب وباحث

جدول المحتويات

تعيش دولة مالي أزمة أمنية وسياسية مستحكمة، ظاهرها صراع سياسي على الحكم، وجوهرها نزاع عرقي قديم، تعود جذوره لعهد الاستقلال وفشل مشروع الدولة الوطنية التي أراد لها المستعمر - لدوافعه الخاصة - أن تكون متعددة الإثنيات، رغم أن الجغرافيا أعطت لكل من المكونات الرئيسية منطقة تمثل عمقه وارتكازه، الماندينج في الجنوب، والفولان في الوسط، والأزواديون (طوارق وعربا وسونغاي) في الشمال. ومع وضوح الجغرافيا في رسم حدود الإثنيات وتركزها المكاني، فإن التاريخ يذكرنا بالاستثناء الذي مثلته تمبكتو العاصمة الثقافية التاريخية للدولة المالية المعاصرة، والتي كانت خلال فترة ازدهارها الثقافي والعمراني حاضرة لكل الهويات، طوارق وزنوجا وعربا وفولانا..

 

تمبكتو الحاضرة الجامعة

أشهر الروايات التاريخية ترجع تأسيس تمبكتو لأواخر القرن الحادي عشر للميلاد على يد طوارق "إمغشرن"، الذين اتخذوها مكانا لتخزين أمتعتهم أثناء النجعة والترحال بين قريتي أمرظع وأروان،

 

فكانت في بداية أمرها مخيما خاصا بالطوارق، ثم تحولت مع الأيام إلى قرية ظلت تنمو باطراد إلى أن تحولت إلى ملتقى للطرق التجارية، يؤمه آلاف التجار والزوار؛ ووصلت أوج ازدهارها في بداية القرن الرابع عشر، بفعل تطور نظام القوافل التجارية، وازدهار المسلك الغربي الذي يبدأ من سجلماسة ويشق الصحراء حتى يصل للفضاء السوداني الذي تمثل تمبكتو أهم بوابة له على الشمال المغربي والغرب الصحراوي، فشكلت بذلك منطقة جذب واستقطاب للناس من كل الحواضر والأعراق، ونظرا لموقعها الجغرافي المتميز على حافة نهر النيجر، وبحكم كونها وجهة للقوافل القادمة من الشمال، فضلا عن تنوعها السكاني.. فقد شهدت تمبكتو حركة علمية وثقافية جعلتها من أهم حواضر وحواضن المعرفة في النطاقين السوداني والصحراوي.

 

جوامع وجامعات

كانت الجوامع والمساجد المحضن الرئيسي للحركة العلمية التي شهدتها المدينة، فكان الجامع الكبير المعروف عند التمبكتيين باسم "جنغري بير"، الذي أسسه ملك امبراطورية ملي العظيم منسى موسی (1313 - 1338م) سنة 1327 م، وأشرف المهندس أبو إسحاق الساحلي على بنائه (دفع له منسى موسى مقابل بنائه ودار السلطنة اثني عشر ألف مثقال من الذهب) جامعة علمية متكاملة، كما هو الحال بالنسبة لمسجد سنكرى الذي تذكر المصادر أن امرأة طارقية صالحة بنته من مالها الخاص.. وقد تولى التدريس في هذين المسجدين علماء وفقهاء من مختلف الأعراق وعلى مدى عصور زمنية ممتدة، لعل من أشهرهم العلامة السوداني محمد بغيوغو ت 1594، وتلميذه العلامة أحمدو باب التمبكتي الصنهاجي ت 1627.  كان لتنوع النخبة العلمية أثر كبير في بناء حالة الوئام والانسجام التي سادت المجتمع التمبكتي بكل أعراقه ومكوناته على مدى قرون من الزمن. كما خضعت المدينة خلال تاريخها السياسي لأنظمة حكم متعددة أبرزها: امبراطورية ملي التي حكمت المدينة قرابة القرن 1337 م-1434، إلى أن أسقطها طوارق إمغشرن الذين حكموا المدينة طيلة أربعين سنة 1434م - 1468 (عبد الرحمن السعدي) إلا أن الحكم الأطول زمنا والأبقى أثرا كان لإمبراطورية السونغاي، التي أسقطت امبراطورية ملي الإسلامية، وورثت نفوذها الكبير وزادت عليه، ورغم دور أسرتي "سوني" و "الأسكيا" السونغانيتين في تدعيم حكم  الإمبراطورية إلا أنهما اختلفتا اختلافا جذريا في المقاربة التدبيرية للحكم، خاصة فيما يعني العلاقة مع الطوارق وصنهاجة..

 

المقاربة السونية

تولى سن علي مقاليد الحكم في السونغاي 1464م، فسعى لتثبيت حكمه، وتحييد خصومه الذين رأى فيهم عائقا أمام طموحاته ومشاريعه التوسعية، وكان على رأس هؤلاء حكام الطوارق في تمبكتو، فغزى المدينة سنة 1468 م، وأقام فيها مذبحة بشعة استهدفتهم وحلفاءهم صنهاجة الذين كان لهم دور كبير في الحركة العلمية بالمدينة، ويصور محمود كعت مشهد دخول جيش سن علي لتنبكتو، حيث: "ضربَ قائده الطبل وقال: هذا سَيْفُ سن علي، قال: مَنْ باتَ في البلد هذه اللَّيْلَة أذبحه بِسَيْفِهِ هذا. فما كان إلا كَلَمْحِ البَصَرِ حتَّى رَحَلُوا بِأَجْمَعِهِمْ… وقطع قوم البحر لكي يبيتوا في ضَفَّتِهِ الأخرى، وما وصَلَ وقتُ المغرب، حتَّى خَلَتْ تُنْبُكتُو مِنْ جميع أهلها" (الفتاش).

 

وتذكر المصادر أن أكلْ حاكم المدينة الطارقي لما أحس بغزو سن علي لتمبكتو جهز ألف جمل فحمل عليها أهله ومجموعة صنهاجة حلفاءه قاصدا مدينة بيرو (ولاته) فتعرض من بقي منهم لاضطهاد شديد يصور عبد الرحمن السعدي مشاهد منه: "وأمر [سن علي] يوماً بإتيان ثلاثين من بناتهم الأبكار ليتخذهن جواري، وأمر أن لا يأتين إلا على أرجلهن. فخرجن وما برزن من الخدور قط، وخادمه معهن يسوقهن حتى وصلن موضعاً عجزن عن المشي بالكلية. فبعث له بخبرهن فأمر بقتلهن، فقتلن جميعاً، والعياذ بالله" (تاريخ السودان). فأُطلق على المكان "موقع فناء الأبكار"!!.

 

وهكذا اتسمت "المقاربة السونية" بالبطش والتنكيل والاستئصال للمجتمع الطارقي الصنهاجي الذي اضطر في أغلبه للفرار والنزوح، لتبدأ يومها "المأساة الأزوادية" التي ستُكتب فصولها القادمة بأيدي مستبدين آخرين انتهجوا نفس المقاربة، وذات الطريق!

 

المقاربة الأساكية

كان الأسكيا محمد أبوبكر قائدا كبيرا في جيش سن علي الذي توفي سنة 1492 فخلفه ابنه سن غيا الذي انقض عليه الأسكيا بعد سنة من حكمه وأسقطه سنة 1493 مؤسسا لدولة الأساكي وبانيا عهدا جديدا مختلفا بالكلية عن نهج سن علي، حيث كانت مقاربته ذات طبيعية استيعابية احتوائية، ذات مسحة دينية أخلاقية، فقرب العلماء وأغدق عليهم الأموال، وعين القضاة في مختلف المدن للحكم بالشريعة الإسلامية، كما ذكر محمود كعت الذي كان من مقربيه: "وله من المناقب وحُسن السياسة والرفق بالرعية والتلطف بالمساكين ما لا يحصى. ولا يوجد له مثل لا قَبلَهُ ولا بَعْدَه" (الفتاش). أما المؤرخ عبد الرحمن السعدي فلا يختلف عن محمود كعت وغيره من نخبة علماء سنكرى الذين لا يفترون من تمجيد الأسكيا محمد أبوبكر باعتباره أمير المسلمين، فقد تحدث السعدي عنه وأسهب في ذكر مآثره ومناقبه: "فتملك الأسعد الأرشد يومئذ، فكان أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ففرج الله تعالى به عن المسلمين الكروب وأزال به عنهم البلاء والخطوب. واجتهد بإقامة ملة الإسلام وإصلاح أمور الأنام، وصاحب العلماء واستفتاهم فيما يلزمه من أمر الحل والعقد" (تاريخ السودان)

 

خيبات الدولة الوطنية

قُبيل الاستقلال وفي سنة 1958 قدم زعماء الطوارق عريضة للدولة الفرنسية يطالبون فيها بمنحهم كيانا مستقلا عن الدولة المالية، إلا أن مطالبهم قوبلت بالرفض، فتم إعلان استقلال جمهورية مالي في 22 سبتمبر 1960 بجغرافيّتها الحالية تحت قيادة الرئيس موديب كيتا الذي كان حازما في رفضه لفكرة استقلال أزواد، فلم تدم حالة الوئام طويلا حتى أعلن الطوارق ثورتهم في جبال "أدرار إيفوغاس" التي جوبهت بقمع شديد، حيث انتهج النظام المالي "مقاربة سونية" بامتياز، تتحدث المصادر عن إعدامات جماعية دون محاكمات، وتسميم لآبار المياه، وإبادة لقطعان الماشية، وطمس لمعالم الحياة، ولأن التاريخ حلقات مكررة كما يقولون، فقد كان للخبراء الروس آنذاك دور كبير في إدارة وتسيير حملة القمع ضد الطوارق، كما هو حال الفاغنر هذه الأيام!!

 

وهكذا وخلال محطات التمرد الأزوادية في المراحل اللاحقة (1990، 2006، 2012) فقد اعتمدت الأنظمة المالية أساليب متقاربة لاحتواء التمرد، تقوم على المواجهة العسكرية من جهة، وتفتيت المقاومة من جهة أخرى، من خلال استعمال أساليب الإغراء المادي لبعض القادة والرموز الذين كثيرا ما اتسموا بالانتهازية وغياب المبدئية، وخذلوا رفاق القضية في منتصف الطريق!

 

ظلت المعالجة التنموية والمقاربة العقلانية غائبة طيلة فترات الصراع، ولن تعجب لكثرة محاولات التمرد العربي الطارقي إن شاءت لك الأقدار أن تزور أزواد ومدنه الكبرى، حيث ترى بأم عينيك صنوف الإهمال والتهميش والنسيان! حتى إن تمبكتو "جوهرة الصحراء" كما يسمونها لا يربطها طريق معبد بالعاصمة باماكو!

ورغم أن موجات التمرد غالبا ما تنتهي بحل تفاوضي يفضي لاتفاق بين الطرفين، فإن أغلب تلك التوافقات راحت أدراج الرياح، حتى اتفاق الجزائر 2015 الذي نص على حكم محلي تحت السيادة المالية انسحب منه المجلس العسكري في 25 من يناير 2024 معلنا بذلك حقبة جديدة من المواجهة مع الأزواديين، بالإضافة لمعركته المستمرة مع الجهاديين!

 

تحيزات القريب ومطامع البعيد

رغم عمق الأزمة التي تعيشها دولة مالي، وتداخل أبعادها المتشابكة، ودور الإقليم والقوى الدولية في مسارها، فقد ظل التدخل الخارجي عاملا أساسيا في تعميق الأزمة وتعقيدها، سواء تعلق الأمر بالقوى الكبرى التي لها مطامعها الاقتصادية، ومطامحها السياسية، أو تعلق بدول الجوار التي انغمست نخبها الحاكمة والمحكومة في تأييد هذا الطرف أو ذاك، وكثيرا ما يتجلى هذا الانحياز على أساس عرقي واضح!، فالمحيط العربي مؤيد للحركات الأزوادية، والجوار الإفريقي منحاز للسلطة المالية، والمجتمعات الفولانية في الإقليم لا تخفي تعاطفها مع تمرد ماسينا! ولو كان للعقلانية من سبيل فإن الأزمة بطبيعتها الحالية تشكل خطرا على الجميع!

 

ولئن كان السكوت على المأساة الأزوادية المستمرة، ومذابح الفولان في الوسط خلال العشرية المنصرمة أحرى تأييدها.. يعد جرما مستبشعا دأبت على ممارسته كثير من نخب الجنوب المالي والجوار الإفريقي، فإن حالة التشفي والتسلي بآلام الإخوة المالين المحاصرين في باماكو هذه الأيام، عند بعض نخب الجوار العربي وتبرير أعمال القتل والحرق التي تمارسها الحركات الجهادية ضد "حواضر الجنوب" تمثل وجها آخر للمأساة الأخلاقية عند كثير من النخب!

 

المسؤولية الأخلاقية تفرض على الجميع - بالأخص النخب المجتمعية والرسمية في دول الجوار- تبني مقاربة تفاوضية تدفع كل الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، بموجبها يحظى الشماليون وأهل الوسط بحكم محلي تحت مظلة الدولة المركزية، ويعزز هذا المنحى ما يقال عن قبول الحركات الجهادية للشراكة في حكم وطني جامع يضمن مراجعات دستورية تعزز الحكم المحلي وتحقق مرجعية الشريعة الإسلامية، وكلها مطالب وأفكار في حكم المقبول والمتاح. ولو بُذلت جهود من النخب والأطراف الوازنة في الإقليم لإقناع بعد الدول الإسلامية الوازنة كتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر، والسنغال - باعتبارها الدولة الإقليمية الأقل تلوثا بلوثة التحيز في المستنقع المالي - لربما تم الوصول لتفاهمات تحقن الدم المالي العزيز، وتكرس مقاربة الأسكيا العظيم الحاج محمد أبوبكر السونغاني.

الأحدث