جدول المحتويات
الخاطرة الأولى: معايير اختيار الصناعات التي يجدر بموريتانيا التركيز عليها
قبل سنوات، شاركت، في إطار يوم تشاوري حول قطاع الصناعة نُظّم بنواكشوط في 11 أكتوبر 2021 من طرف القطاع الوزاري المعني، بعرض حول ترقية الاستثمار الصناعي في موريتانيا - المكتسبات والآفاق. وكان السؤال الرئيس المطروح يومها على لفيف من الخبراء محفزا وملهما، وهو: «أي صناعة لموريتانيا؟»، حيث تضمن دعوة إلى التفكير الجاد في الأولويات الوطنية في مجال التصنيع، في ظل إجماع تام على أهمية الصناعة لبلادنا كرافعة تنموية. وقد مكن ذلك النقاش المشاركين يومها من بلورة إجابات أولية مهمة من زوايا متعددة.
وبعد ذلك، أُتيحت لي، على المستوى الشخصي، تجربة أكثر مباشرة وثراءً مع موضوع هذا السؤال، من خلال وظائف عمومية تمثلت في التكفل بإدارة مؤسسة صناعية عمومية وطنية، ثم المساهمة في الجهد الحكومي لتثمين بعض مواردنا المحلية، خاصة الثروة الحيوانية، التي تُعد الصناعة أحد أهم الخيارات الاستراتيجية لتثمينها، في ظل إرادة سياسية قوية.
كما أتاح معرض إكسبو موريتانيا 2026، الذي نظمه القطاع الخاص الموريتاني قبل أسابيع، فرصة للمهتمين للاطلاع على المستوى الذي وصلت إليه صناعتنا الوطنية إجمالا، وعلى مستوى تقدم العمل في مواجهة بعض التحديات التي تواجهها خصوصا. وكان من أهم الرسائل المعلنة رسميا في هذا السياق وجود أفق واضح لتذليل عائق الطاقة الكهربائية، من خلال مشاريع لإنتاج الكهرباء بقدرات مرتقبة تتجاوز 500 ميغاوات.
ونظرا للامتداد الزمني للمخاض الذي يسبق إرساء صناعة قوية ومستدامة، وما يستغرقه تذليل كبرى التحديات المطروحة من وقت، فإن السؤال العام: أي صناعة لموريتانيا؟ لا يزال محتفظا براهنيته، وسيظل في الأمد المنظور ملهما للخبراء والمهتمين بالشأن الاقتصادي والصناعي.
وفي هذا السياق، تأتي هذه المشاركة اليوم، لتكون بإذن الله بداية سلسلة خواطر، تتبنى السؤال نفسه عنوانا لها، وتهدف إلى بلورة جملة من الإجابات الإضافية التي تستفيد من ملاحظات القراء، وتمثل امتدادا منهجيا وإثراء لجهدنا البحثي حول الصناعة الوطنية، واقعها وآفاق تطويرها، والله ولي التوفيق.
وآمل أن يرى القارئ فيما يفتح الله به في إطار هذه السلسلة دعوة له لنفكر معًا، بصوت عال، في هذا الجانب المهم من جوانب الهم الوطني العام. ومن بين المواضيع التي يمكن أن يشملها هذا العصف الذهني البناء، على سبيل المثال لا الحصر: معايير اختيار الصناعات التي يجدر بموريتانيا التركيز عليها؛ العودة إلى استعراض تحديات الصناعة الوطنية؛ الصناعات ذات الأولوية في الأمد القريب؛ الصناعات البديلة للواردات؛ التصنيع القائم على الموارد المحلية؛ الصناعات الكبرى؛ شروط نجاح التصنيع؛ سلم الأولويات الصناعية لموريتانيا.
وقبل المضي في تناول ما تيسر من هذه المحاور، يجدر أن أوضّح ما أقصده في هذه السلسلة بكلمة "الصناعة".
سأستعمل مفهوم الصناعة في معناه الواسع، الذي يشمل بالدرجة الأولى الصناعة التحويلية بأنواعها والصناعات الاستخراجية. وهذا الاختيار لا يُلغي ضرورة التمييز اللاحق بين هذه الأنواع حسب طبيعة كل تحليل، وإنما يحفظ للسلسلة قدرتها على معالجة موضوع التصنيع الوطني في كامل أبعاده، باعتبار أن مساهمة الصناعة، بمفهومها العام، في الناتج الداخلي الخام، وفي تنويع الاقتصاد، وفي تشغيل الشباب، لا تُقاس بقطاع واحد بمعزل عن سواه.
وسأقترح أن تكون البداية اليوم بوضع هذا الإطار العام، ثم الشروع في الحديث عن المعايير التي يمكن من خلالها تحديد الصناعات التي يجدر بموريتانيا التركيز عليها.
معايير اختيار الصناعات التي يجدر بموريتانيا التركيز عليها
من أجل تحديد الصناعات التي يمكن أن تركز عليها موريتانيا، لا بد أن نبدأ بتحديد معايير الاختيار. فكل صناعة قد تبدو جذابة من زاوية معينة، لكن الأولوية الوطنية لا تحدد بالانطباع العام، ولا بمجرد توفر المادة الخام، ولا بحجم الطموح المرتبط بها، وإنما بمدى اجتماع شروط اقتصادية وتنفيذية ومؤسسية واضحة.
وبالتفكير في ذلك، يمكن أن ننظر إلى الصناعات التي يجدر بموريتانيا التركيز عليها من خلال معيار مركب يقوم على أربعة اعتبارات رئيسية. يمكن توزيعها على مستويين متمايزين:
- مستوى الصناعة في ذاتها، أي ما يتعلق بطبيعة النشاط الصناعي ومنتجاته وأثره؛ ومستوى البيئة المحيطة به، أي ما يتعلق بالشروط الممكِّنة لانطلاقه وتوسعه. وهذا التمييز ليس تنميقا منهجيا، بل ضرورة عملية، لأن صناعة ذات جدوى عالية في ذاتها قد لا تنجح في بيئة غير مهيأة، وبيئة جاهزة تماما لا تستطيع وحدها أن تخلق صناعة ليس لها سوق أو قيمة مضافة معقولة.
المستوى الأول: معايير تتعلق بالصناعة في ذاتها
هذا المستوى يستجوب الصناعة كما هي، بصرف النظر عن محيطها: ما طبيعة منتجاتها؟ ما السوق التي ستذهب إليها؟ ما الأثر الذي ستحدثه في النسيج الإنتاجي المحلي؟ ويندرج تحته معياران رئيسيان.
المعيار الأول - الجدوى الاقتصادية والصناعية:
ومعنى ذلك أن تكون الصناعة قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، وأن يكون لها سوق واضح، محلي أو خارجي، وأن تمتلك حظا معقولا من التنافسية. ولا تكتمل هذه الجدوى بمجرد القدرة على الإنتاج، بل بقدرة المنتج على النفاذ إلى السوق بجودة وسعر وتوزيع مناسب. ويدخل في ذلك توسيع الصناعات القائمة التي أثبتت قدرتها على البقاء أو التطور، كما يدخل فيه إحلال واردات يمكن فعلا تعويضها محليا، أو فتح مجال للتصدير، أو الانتقال من تصدير المادة الخام إلى تثمينها داخل البلد.
المعيار الثاني - القدرة على تحريك منظومة إنتاجية محلية:
بعض الصناعات لا تقاس فقط بحسابات الوحدة الصناعية في ذاتها، وإنما بما تخلقه حولها من روابط: منتجون، موردون، ناقلون، خدمات صيانة، تكوين مهني، تخزين، جودة، تسويق، ومقاولات صغيرة ومتوسطة. وكلما استطاعت الصناعة أن تتحول إلى قاطرة لمنظومة إنتاجية محلية، زادت أولويتها التنموية.
المستوى الثاني: معايير تتعلق بالبيئة المحيطة بالصناعة
هذا المستوى يستجوب الشروط الكلية والمؤسسية التي ستتنزل فيها الصناعة، وهي شروط لا تخص نشاطا صناعيا بعينه، بل تتقاسمها كل الأنشطة الصناعية في البلد. ويندرج تحته معياران رئيسيان كذلك، هما في الجملة المعيار الثالث والرابع.
المعيار الثالث - قابلية التنفيذ في الأفق القريب:
وأقصد بذلك أن بعض الصناعات قد تكون مهمة من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى استثمارات ضخمة، أو تقنيات معقدة، أو بنى تحتية غير مكتملة، أو زمنا طويلا للتحضير. لذلك ينبغي أن نسأل، قبل تصنيف أية صناعة ضمن الأولويات القريبة: هل تتوفر لها الطاقة؟ هل يتوفر لها الماء في موقع إنشائها؟ هل تخدمها بنية النقل والتخزين والتبريد عند الحاجة؟ هل يمكن تمويلها؟ هل توجد الكفاءات الضرورية أو يمكن تكوينها في وقت مناسب؟ وهل يسمح الإطار التنظيمي والجبائي والجمركي بانطلاقها وتوسعها؟
كما ينبغي النظر إلى توفر المنطقة الصناعية المناسبة، وخدمات الفحص والجودة والرقابة، وإمكانات التسويق، لا إلى المصنع وحده.
المعيار الرابع - الدعم السياسي والمؤسسي:
إن الرؤية السياسية الوطنية الحالية جعلت التصنيع جزءا من مسار تنويع الاقتصاد، وتثمين الموارد المحلية، وتصحيح الميزان التجاري، وخلق فرص العمل. وهذا عامل مهم، لأن الإرادة السياسية، حين تكون واضحة وجازمة، تساعد على تعبئة الإدارة، وتوجيه الاستثمار، وتيسير الشراكات، وتوفير البنى المساندة. وتُكمَّل هذا الدعم السياسي طبيعة الإطار المؤسسي القائم، وشمل في حالة موريتانيا مدونة الاستثمار وأنظمتها التحفيزية، والمنظومة المؤسسية لتحسين مناخ الأعمال، والاستراتيجيات القطاعية ذات الصلة بالقطاع الخاص والصناعة؛ مما يجعل العمل على هذا المعيار عملا داخل إطار قائم لا تأسيسا من العدم. وبالتالي، يكون هذا العامل داعما لشرطي الجدوى الاقتصادية والقابلية للتنفيذ.
وبناء على هذه الاعتبارات، يمكن التمييز بين مستويين من الصناعات.
فما اجتمعت فيه الجدوى الاقتصادية، والأثر الإيجابي على ديناميكية منظومات الإنتاج، وقابلية التنفيذ في الأفق القريب، والدعم السياسي والمؤسسي، يمكن تصنيفه ضمن الصناعات ذات الأولوية في الأمد القريب.
وأما ما يملك قيمة استراتيجية، لكنه يفتقر اليوم إلى أحد هذه الشروط، كضعف الجاهزية التنفيذية، أو غموض السوق، أو الحاجة إلى رأسمال كبير وتقنيات معقدة، فينبغي التعامل معه بوصفه خيارا يحتاج إلى دراسة أعمق وتحضير على المديين المتوسط والبعيد.
بهذا المنهج، يصبح سؤال: أي صناعة لموريتانيا؟ سؤالا عن سلم الأولويات، لا عن قائمة رغبات. فهناك صناعات يمكن الدفع بها في الأمد القريب، وهناك صناعات أخرى ينبغي التحضير لها بنفس أطول وتدرج أكبر.
والأهم في تقديري أن نعرف من أين نبدأ، وما الذي نحضره للمرحلة المقبلة، وما الذي لا ينبغي استعجاله قبل اكتمال شروطه.
وفي نهاية هذه الخاطرة، لا يفوتني التنبيه على أن الملاحظات الجادة التي يتفضل بها القراء من متابعي الصفحة، سواء على هذا المقال الأول أو على باقي ما يكتب على الصفحة، مهمة لدي وسأستفيد منها، وثبت الأجر للجميع، إن شاء الله.