جدول المحتويات
مـا كنت لأكتب هذه الحـروف لو كان المقـال لكاتب عابـر، لكن أخي وعزيزي موسى يكتب بصدق يجعل القارئ يميـل إلى الإصغـاء إليه حتى وهو مختلف معه، ولذلك شعرت أن الصمت هنا ليس موقفـا كافيـا.
فأنا أعـرف موسى، وأعـرف أنه لا يكتب شماتة ولا تحاملا، وله عندي من الـود والمحبة والاحترام ما يجعل الاختلاف معه مختلفا عن الاختلاف مع غيـره.
ثم إن مثـل هذه الأفكـار، حين تأتي في ثوب جميل وبقلـم كقلم موسى، قد تصـل إلى الناس وكأنها الحقيقة كاملة، بينما تكون قد حجبت - دون قصد - جانبا كبيـرا من الألم الذي عاشته فئة كاملة من هذا المجتمـع أو أغلبهـا.
ولهذا كان لا بد من هذا التوضيح، إنصافا لذاكـرة أخـرى ظلت طويلا بلا صوت.
وهذا ليس ردا على المقـال بذلك المفهوم، بل هـو مجاراة لبعض ما ورد فيه، وتأكيد وتحقيق لبعض ما أشيـر إليه من واقـع لم يعط المقال صورته الكاملة.
لقد رأى المقـال الجانب الذي فيه "بودّي" مشترك، و "شگـط" مشوي، وصبية يجمعـون "اللاقو" ويسرقـون "باسي"، وافريگ يوزع الحنان على الجميع دون سؤال عن اللون والنسب، لقد رأى أخي موسى المشاهد التي انتصر فيها الإنسان على قسـوة المجتمع، فكتبهـا بحب ووفـاء.
لكن ما لم يقله المقال هو أن تلك الصـور على جمالها، كانت الاستثناء الذي يـروى، لا القاعدة التي عاشها لحراطيـن.
فالقاعدة كانت شيئا آخر تمامـا.
لقد كانت طفلا أسـود ينـام “گبلة لفريك” يوقظه البـرد قبل الفجـر، لا ليذهب إلى محظـرة أو يحمل لوحـا، بل ليلحق بالقطيـع قبل أن تسبقـه الشمس إلى العراء.
كانت فتاة تلد لأنها "مملوكة"، لا لأنها اختارت.
كانت أمـا تـرى أبناءها يمنحـون هدايا في المهـور، ثم يطلب منهـا الطاعة وكـأن قلبها ليس قلب أم.
كانت رجالا يعيشـون أعمارهم كلها دون أن يملكـوا أسماءهم كاملة، ودون أن يكـون لهم من الأرض إلا الغبـار الذي يعلق بأقدامهم وهم يخدمون غيرهـم.
كانت أجيالا كاملة تـولد وفي رقابها سلاسـل لا تـرى، وتـرى أحيـانـا.
وهذا في الوقت الذي كان فيه أبناء "لخيـام لكبارات" يجلسون في المحاظـر يحفظون القرآن والمتـون، ويتدارسون الفقه والنحـو والشعـر، وأبناء لحراطين يحملون المـاء إلى تلك المحاظـر، ويرعون مواشي أهلها، ويقفـون عند أطراف المجالس كأن العلم خلق لغيرهم.
وفي الوقت نفسه أيضا، كان أبناء البيـوتات الأخرى يكبرون على صهيـل الخيـل، وصوت البنادق، وهيبة الإمارة والقيادة، ومجالس إيگـاون على إيقـاع "فاغـو" أو "فاقـو" (كما يحب البعض أن يسميه)، وفي اطـرگ كامـل، من "تنچـوگه" في الجانبة الكحلـة، إلى "اسروزي" في الجانبه البيظة، و "اشبـار" افلگنيديه، بل و"لبتيت" أيضـا بعد ذلك، فما كـان الكفيَ ولد بوسيف نشازا حين أنشد:
لحگتني حِـلَّـه لهـو انجيه *** ماني فيه الْبيگي سمَّـاع
عدت انـرف اعليه ونبغيـه *** ونشريه إلَ ريتُو ينبـاع
وكانـوا يتعلمون منذ الصغـر معنى النفـوذ والسلطة والجـاه، بينما كـان غيرهم يدفعـون إلى أسفل السلم الاجتماعي.
ولذلك لم يكن التفاوت بين الناس يومها مجـرد تفاوت في المـال أو الحظ فقط، بل كان تفاوتا في حق الحيـاة نفسه، فكم من ذكي مات أميـا لأنه ولـد في الجهة الخطأ من المجتمع.
وكم من امـرأة عاشت عمرها كله تخـدم بيتا ليس بيتها، تطبـخ لأطفال غيـر أطفالها، وتسهـر على راحة غيرهـا، ثم تموت دون أن يذكرها أحـد إلا باعتبارها "خـادم" إدو افلان.
ذلك هو الوجه الأكبـر من الحكاية يا أخي موسى، لا لأن الناس كانـوا جميعا وحوشا، بل لأن الظلـم حين يتحـول إلى نظـام اجتماعي يصبح عاديا إلى درجة أن الطيبين أنفسهم قد يمارسونه دون أن ينتبهـوا إلى بشاعته.
نعم، كانت هناك لحظات رحمة، وكان هناك أسياد أرحـم من غيرهم، وكانت هناك علاقات إنسانية صادقة، ولكن التاريخ لا يقـاس بلحظات الرحمة فقط، وإنما يقـاس بشكـل الحياة نفسها، فمن تعلـم ومن حـرم، ومن ملك ومن خـدم، ومن كان مسموع الصـوت ومن عاش عمـره كله خافضا صوته.
فالعبد قد يضحك أحيانا، لكن الضحك لا يكسـر القيد، وقد يحب سيده ويحبه، لكن المحبة لا تجعـل العبودية أقل خزيا، وقد يتعايش مع وضعه حتى يظنه قدرا إلهيـا، لكن اعتياد الظلـم ليس دليلا على عدالته.
إن الاعتراف بهـذه الحقيقة لا يعني إعلان حـرب على أحد، ولا محاولة لتمزيق المجتمع كما يتوهـم البعض، فالأمـم لا تتشقق حين تواجه ماضيها، وإنما تتشقق حين تجبـر ضحاياها على الصمت باسم الوحدة، فلحراطين لا يطلبون من التـاريخ أن يعود إلى الـوراء، ولا ينتظرون معجـزة تمحو قرونا من التفاوت في ليلة واحدة - كما أشار المقـال - بل كل ما يريدونه ألا يطلب منهم مـرة أخـرى أن يحملوا جراحهم بصمت، وأن يشكروا التاريخ لأنه كان "أرحم قليلا" مما كـان يمكن أن يكـون.
ولا يعني هذا بطبيعة الحـال، أن كـل من تحدث باسم لحراطين كـان دائما على قدر القضية، ولا أن بعض الساسة والحقوقيين لم يحاولوا أحيانا المتاجرة بالألم أو تحويله إلى رصيد شخصي، فذلك يحدث في كل القضايا الكبـرى.
لكن سوء بعض من حملوا القضية لا ينفي فظاعة الألـم، ولا يمحـو قرونا من التهميش والإذلال، ولا يغيـر واقع الأحـرار الطاريين المزري في كثيـر من تفاصيل الحيـاة، لأن اختلال بعض الأصوات لا يبطـل حقيقة الصرخة نفسها.
ثـم إن الحديث اليـوم عن معاناة لحراطين ليس مؤامـرة كما يسوق البعض، ولا سعيـا إلى تفتيت المجتمع كما يظـن آخـرون، بل محاولة للاعتراف بحقيقة طويلة جـرى دفنها تحت كثيـر من التجـاهل والمجاملات، حتى سمي لحراطين – مجاملة - بــ "الخِـذْرِيينْ" في بعض الأمصـار.
وختامـا: أخطـر ما يمكن أن نفعله هـو تغطية الحقيقة بقطعة قماش من الحنين، وذكـريـات جميلة قليلة، وترك آلاف القصص الحزينة في الظـل، تلك القصص التي لم تكتب لأن أصحابها لا يكتبـون.
رحم الله الأمين ومالك أو مالكـا، فقد اتسعت لهما المقابـر معا، بينما ما تـزال الدنيا تضيق بالأحيـاء كلما اختلفت ألوانهـم وحكاياتهـم.