جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، والصلاة والسلام على خير الأنام القائل في أبين كلام "كلكم لآدم وآدم من تراب" وعلى آله وصحبه والتابعين لهم من المؤمنين بأن الدنيا ابتلاء لتبين أحسن الأعمال {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى}.
في النقاش الدائر حول " قضية لحراطين"
قضية الحراطين ليست موضوعا هامشيا يمكن تجاوزه أو اختزاله في مظالم ارتكبت في غابر الزمان وانقضت بانتهاء الفاعل والمفعول به، وليست ملفا نقابيا في محفظة بلون خاص، تحتكره فئات وتتجاهله أخرى؛ تملك فيه الأولى حق الخلط والتفسير والتضخيم والتهويل والمتاجرة والتدويل، وتستغل فيه الأخرى الموقع والمكانة، وأن الجريمة لا تُورَّثُ وتتجاهل ما فيه المآسي والمعاناة، وما يشاهد من آثار ومخلفات، بل هو موضوع وطني ملح وضاغط بدون حله لا تمكن تنمية ولا ازدهار، ولا أمن ولا استقرار، تتحمل فيه الدولة المسؤولية الكاملة، ويتطلب تضافر جهود النخب كلها: ساسة ومثقفون أكاديميون وحقوقيون، رجال أعمال وخيرون وأئمة ودعاة مصلحون ومواطنون مخلصون.
أولا: شيء من التاريخ:
شهدت هذه البلاد - وليست وحدها في ذلك - سيبةَ ظٌلمٍ واضطهاد لم يسلم منه طيف ولم تنج منه جهة، بل أضحى نمط حياة متواضع عليه، النفوذ فيه لمن يملك ميزةَ قوةٍ فارقةٍ تستدعي الإذعان له أو المسايرة على الأقل، إنها حياة أشبه بنمط التراضي البدائي في العصور الوسطى رضي فيه الأفراد والجماعات - طوعا أو كرها- بالأدوار الحياتية للمستقوي.
وإن أشدّ ظلم عاشته تلك الـحقبة ذاك الذي عانته فئة المستعبدين؛ لما وقع عليهم من قهر وحشي لا يمكن وصفه ولا تصوره، خصوصا في تفاصيل الحياة الإنسانية التي تعرضت لأبشع انتكاسة.
صحيح أن قساوة الحياة وفوضويتها واستسهال القتل والاقتتال والترك والأخذ والنهب والاضطهاد والغدر والوشاية خلقت واقعا من "اللا مفهوم" يصعب تخيله اليوم؛ الأب يقتل ابنه والابن يقتل أباه والأخ يقتل الأخ والعم يقتل ابن الأخ والعائلة تبيد بعضها من أجل الوصول لمركز قوة أو السلامة من مؤامرة مزعومة، وتبيع الأسرة بعض أبناءها لتُعيش الآخرين، وتتخلص من أبناء لتنجو من عذاب مشاهدتهم يصارعون الجوع.
مع ذلك عرفت الحياة أنماطا من العيش المتأقلم الذي نمت فيه حواضر عرفت العلم والصناعة والزراعة وبعض الاستقرار، وأحيانا يجمع بين العمران والغزو، وبين التجارة والنهب، وبين رد الصائل والاقتتال الداخلي، وربما اشتعلت حروب بين الأحبة لأبسط سبب، وربما توقفت بلا سبب.
ولم يزل الحال كما هو حتى سيطر المستعمر الذي خلفته الدولة الوطنية محتكرة السلطة وأدواتها من استخدام القوة وتوقيع العقوبة.
هذه صورة تفسر جزء من حياة السيبة ولا تبرر الظلم والبطش الذي لحق بأفراد وجماعات وفئات وطبقات، وربما قبائل وبلدات.
ثانيا: شيء من الواقع:
الشعب الموريتاني طيب مسلم ومسالم، انطبع بالصبغة الإسلامية في أخلاقه وتربيته وتكافله وتسامحه، وفي أخوته وتعايشه وحرصه على الوطن، كما تميز بفقدان الأمل في ما تقدمه الحكومات وكأنه يقول:
إن السلامة من سلمى وجاراتها *** أن لا تمر بواد حول واديها
ذاك هو الطبع والهوى ولكن في دولة نامية معدل الفقر النقدي فيها يقدر بحوالي 28.4% سنة 2024، ومؤشر الفقر متعدد الأبعاد فيها حوالي 58.4% وفق تقارير أممية، (وهو أوسع من الفقر النقدي لأنه يشمل: التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية) لا يمكن إلا أن يكون استدرار حكوماتها مرغوبا ومطلوبا.
كما لا يمكن أن تكون سياساتها الوطنية وبرامجها الاجتماعية واستراتيجياتها التنموية ورؤيتها لحقوق المواطن إلا محل اهتمام وتمحيص؛ خاصة إذا كان لبعض مواطنيها مظالم تاريخيّة لا تزال آثارها ومخلفاتها قائمة تُقذي العين وتزكم الأذن!
لقد اجتمع التاريخي والواقعي والحقوقي والإنساني بالسياسي والاجتماعي والاقتصادي، واجتمع كل ذلك بتخبط حكوماتي يكرس السلطة والمال والنفوذ في أوساط محدودة أغلبها من مكون واحد وإن كان غير مقصود لذاته بدليل أن أكثريته تعاني نفس معاناة لحراطين - وإن اختلفت الأسباب - ولأن من بين أوساط النفوذ تلك نافذون من لحراطين.
وكأي قضية عادلة وملحة لا يستغرب أن يكون من بين حاملي ألوية الدفاع عنها من هم غير صادقين ولا مخلصين ومن هم انتفاعيون وأصحاب أغراض شخصية أو وظيفية، ولكن ذلك لا يدنس القضية ولا يعفي بقية الخيرين والمخلصين من تبنيها والسعي لحل إشكالاتها.
كما أن مرارة الشعور لدى بعض الحراطين - وإن كانت لا تبرر الإساءات ولا تجعل ظلم الماضي مبررا لظلم الحاضر - فهي لا تمنع كذلك من إنصاف لحراطين. نعم إن الإساءة والتعميم والمبالغة والتنابز بالألقاب والإيحاء بالانتقام والتهديد أحيانا أمور تسيء إلى القضية وتظهرها بوقاحة الظالم بدلا من عفة المظلوم {فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا}، نص لمن كان ظلمه أبين، وهي كذلك تقلل دائرة المؤازرة وتصبغها بلون واحد يصعِّب على غيره المشاركة، والعدل ليس له لون كما الظلم.
ثالثا: من معالم الحل:
وضع استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على:
1. العدالة وسيادة القانون من خلال تطبيق صارم للقوانين المجرّمة للاسترقاق والتمييز، وضمان الإنصاف والحماية لكل المواطنين دون استثناء (ضحايا، مبلغين، شهود، ومتضررين من البلاغات الكاذبة).
2. التمكين الاقتصادي والتعليمي عبر محاربة الفقر والهشاشة، وتوسيع فرص التعليم والتعليم النوعي والتكوين والتمويل والتشغيل والولوج إلى الأرض والخدمات والوظائف العمومية.
3. المصالحة الاجتماعية وبناء مواطنة حقيقية من خلال خطاب ديني وثقافي وتربوي وإعلامي يؤكد المساواة والكرامة الإنسانية، ويواجه كل أشكال الاحتقار والإقصاء والانقسام والاستغلال والشحن، مع تعزيز الهوية الوطنية الجامعة القائمة على المواطنة لا التراتبية الاجتماعية.
رابعا: خلاصة:
القضايا العادلة تمر بنفس مراحل التطور لدى الأشخاص، تبدأ بقلة متحفزة يطغى على خطابها شعور بالمرارة وبألم الخذلان، فلا تلبث أن تتطور وتزداد عمقا وأنصارا، ثم تزداد قبولا وانتشارا، حتى تبلغ مرحلة النضج بالاعتدال والتسامح وتوحيد الجهود لإيجاد حلول جذرية تبني على نقاط القوة وتستفيد من الفرص وتتجاوز نقاط الضعف ولا تعيقها المخاطر؛ ذلك لأنها تجمع ولا تفرق وتبني ولا تهدم تتقدم ولا تتأخر تنصف ولا تنتقم تصالح ولا تظلم.