جدول المحتويات
يشكّل برنامج تنمية مدينة نواكشوط، في نسخته الأولى، واحدًا من أكثر البرامج الحضرية شمولًا التي عرفتها العاصمة خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بحجم المشاريع المنجزة، وإنما بطبيعة الرؤية التي قامت عليها هذه المشاريع، باعتبارها تدخلات تمسّ الحياة اليومية للمواطن بصورة مباشرة، وتعيد ترتيب العلاقة بين المدينة وسكانها وفق منطق الخدمة العمومية والبنية التحتية المستدامة.
ففي مجال البناء والأشغال العمومية، أظهرت الحصيلة الأولى للبرنامج أن الاستثمار في البنى التحتية أصبح جزءًا من تصور متكامل لتحسين المجال الحضري وتخفيف الضغط المتزايد على العاصمة. فبناء وترميم 1500 حجرة دراسية، إلى جانب المنشآت الصحية والرياضية الجديدة، يعكس توجهًا نحو توسيع قاعدة الخدمات الأساسية وتقريبها من المواطنين، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
أما على مستوى الطرق، فإن إنجاز 138 كيلومترًا من الطرق الأسفلتية، بينها محاور حضرية استراتيجية، يمثّل خطوة مهمة في معالجة الاختناقات المرورية وتحسين حركة التنقل داخل المدينة. فالطرق في المدن الحديثة عنصر أساسي في النشاط الاقتصادي، وربط الأحياء، وتسهيل وصول السكان إلى المدارس والمستشفيات والإدارات والخدمات. كما أن توسعة شبكات الإنارة والكهرباء والمياه والصرف الصحي تعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية البنية التحتية غير المرئية في استقرار المدن وتحسين جودة العيش.
ومن اللافت أيضًا أن البرنامج لم يقتصر على البعد الخدمي التقليدي، بل منح مساحة معتبرة للجانب الجمالي والبيئي من خلال التشجير وتهيئة الساحات الخضراء، وهي عناصر غالبًا ما يتم إغفالها في مشاريع التوسع الحضري، رغم أثرها المباشر على الصحة النفسية والمشهد الحضري وخلق فضاءات عمومية ضرورية.
أما التصور المطروح للنسخة الثانية، فيبدو أكثر نضجًا واتساعًا من حيث الأهداف والتخصصات، خصوصًا في الشق المرتبط بالأشغال العمومية والتخطيط الحضري. فمشاريع بناء الجسور، وربط الطريق الدائري بمحاور جديدة، وتوسيع شبكة الطرق الحضرية، تمثل حلولًا هيكلية لمشاكل المرور والضغط العمراني التي تعاني منها نواكشوط منذ سنوات. كما أن الاتجاه نحو إعادة تأهيل مركز المدينة واستصلاح بعض المناطق الحضرية والزراعية يعكس انتقالًا من منطق "التوسعة" فقط إلى منطق "إعادة تنظيم المدينة" وتحسين وظائفها.
وتحمل مشاريع البنية الصحية والتعليمية المقترحة بعدًا اجتماعيًا واضحًا، خاصة ما يتعلق بالحالات المستعجلة على مستوى أربعة مراكز استشفائية، ومركز كبير للأمومة والطفولة ومراكز الحروق، والتصفية، وعلاج الإدمان، والتعليم الداخلي، وهي مشاريع سيكون لها أثر مباشر على الفئات الأكثر هشاشة وعلى تخفيف معاناة المواطنين مع نقص الخدمات أو بعدها الجغرافي.
إن ما تحقق في المرحلة الأولى، وما يجري التحضير له في المرحلة الثانية، يضع نواكشوط أمام فرصة حقيقية للتحول التدريجي إلى عاصمة أكثر توازنًا وتجهيزًا، شرط الحفاظ على وتيرة التنفيذ، وضمان الجودة، والمتابعة الميدانية الدقيقة للمشاريع حتى تحقق أهدافها كاملة على أرض الواقع.