جدول المحتويات
ينتابك شعور غريب عندما تشاهد بلدا "فقيرا" كموريتانيا ولديه موارد القدرة على الثراء ومنافسة دول الخليج العربي بمقدراته الاقتصادية المتنوعة ولكنه يعيش واقع الفقر الشديد بسبب فساد وفشل اداراته المتعاقبة منذ الاستقلال.
تطالع باستمرار حصول الدولة على أرقام فلكية من العملات الصعبة - مصدرها دول عربية وإفريقية وغربية وشرقية وهيئات ومنظمات خاصة وعامة وصناديق دولية - كمساعدات وقروض طويلة وقصيرة آجالها وهبات وغيرها، وتبرر دولتنا المحترمة اللجوء إلى هذا السلوك بجعجعة تمويل الرؤى والخطـط والمشاريع الوهمية كالصحة ومحاربة الفقر والهشاشة والدمج والتضامن والعون والتآزر وغيرها من مسميات حق أريد به باطل لكونك ببساطة شديدة لم ولن ترى طحينا.
عزيزي القارئ
لا يتصور عاقل اليوم أننا نحتاج لكل هذه الديون والصدقات والهبات ونحن في بلد لا يتجاوز إجمالي سكانه: 4,927,532 نسمة يقيم في المهجر منهم أكثر من نصف مليون، وتقدر تحويلاتهم النقدية لذويهم بأكثر من مليون دولار أسبوعيا، وتعتبر هذه التحويلات مصدرا حيويا للعملة الصعبة والسيولة النقدية في السوق، ناهيك عن ناتجنا المحلي الإجمالي الاسمي الذي أصبح يتجاوز 11.95 مليار دولار أمريكي.
ونمتلك قطاعات اقتصادية قل نظيرها في العالم أجمع بتنوعها وثرائها الذي يسمح لكل منها منفردا بأن يكون قطاعا قائدا يجر باقي القطاعات الأخرى نحو النمو والتقدم وهي الصيد والمعادن كالحديد والنحاس والذهب والزراعة فضلا عن ثروة حيوانية معتبرة، كل هذا وغيره أصبح مدعومًا ببدء إنتاج الغاز الطبيعي لدينا من مشروع "احميم" وتوسيع الكثير والكثير من الاستثمارات في قطاعات أخرى.
وباستثناء عدد (61132) هي عدد العاملين في مختلف الوزارات والهيئات الحكومية حسب إحصائيات القطاع العام 2025/2026 يبقى أغلب المواطنين ــ باستثناء المسجلين في برنامج التآزرــ لا يتلقون أي دعم يذكر من الدولة ولا تتحمل عنهم علاجا ولا تعليما ولا نقلا ولا جزاء ولا شكورا.
وما تقدمه الدولة للمواطنين من خدمات يفترض أن تكون ضرورية ينوب عنها الموردون ورجال الأعمال الذين يتقنون أساليب احتيال يعجز عنها البشر في العالم في اختيار الرديء من كل شيء لانعدام الضمير وغياب الوطنية وانعدام الرادع من طرف الدولة، وكما يقال فإن من "أمن العقوبة أساء الأدب"، فشرب المواطنون - فقيرهم وغنيهم - الماء الملوث في العاصمة نواكشوط وغيرها من مدن الداخل ويهدر أغلبه في الطرقات والساحات العامة متمثلا قول الشاعر "جاور الماء تعطشي"، لكون الأنابيب الناقلة له - على مرأى ومسمع من الدولة - مغشوشة، واستعمل المواطنون الدواء المزور، وتناولوا المواد الغذائية المصنعة الرديئة..
وتتفاجأ أيها القارئ أكثر عندما تعلن الدولة - في لحظة متأخرة إدراكا للحقيقة المرة - بعد أزمة الشرق الأوسط - المتمثلة في حرب إيران مع أمريكا وإسرائيل ودول الخليج العربي - أنها ستسحب مئات أو آلاف السيارات رباعية الدفع تتجاوز قيمة الواحدة منها عشرات الملايين من الأوقية يستخدمها مئات أو آلاف الموظفين الذين يعاني أغلبهم سوء التغذية الحاد ويفتقرون لضروريات العيش الكريم.
فما هو المبرر- أيها القارئ الكريم برأيك - الذي سمح للدولة أصلا باقتناء ومنح هذا النوع من السيارات على حسـاب مواطنين يفتقرون للسكن والنقل والدواء والتعليم والبنى التحتية خصوصا أن سحبها لم تتأثر منه الدولة ولا مؤسساتها كأصدق دليل على أنها لم تكن ضرورية أصلا؟
ألم يكن الأولى أن توجه تلك المبالغ الكبيرة وغيرها من الموارد المهدرة إلى استخدامات كفيلة بأن تكون بمثابة الدفعة القوية للاقتصاد كما تبناها الاقتصادي بول روزنشتاين / رودان في كسر حلقة الفقر المفرغة وإخراج الاقتصاد من التخلف إلى النمو المتسارع، أي الى ما هو أجدى وأنفع صونا لكرامة شعب "غني" بمقدراته "فقير" بواقع يعيشه وتتسول به حكوماته يوميا مع الأسف الشديد في الشرق والغرب، وبدل اللجوء إلى تنازل الكبار عن جزء من رواتبهم عند حدوث الأزمات والذي يمكن وصفه بالهروب الى الأمام.