تخطى الى المحتوى

هل تتطلب المرحلة الحجر الصحي على العقول

الأستاذ محمد الحسن محمد أحمد

جدول المحتويات

كانت النائب سعداني خيطور نتاج خطاب فئوي، هو الذي أوصلها إلى قبة البرلمان، واستشاطت غضبًا حين تأخر ترتيبها في اللائحة الوطني، فتمت ترضيتها بالرقم 2. وهنا بدأ نجم سعداني الشرائحي في البروز والتميز في جو سياسي غير صحي، وعلى من يريد تصدره أن "يتميز" بخطاب لافت، صادم، وغير مألوف!

 

خاليدو جالو، ومريم الشيخ، وقامو عاشور، وقبلهم بيرام، أصحاب خطاب فئوي شرائحي عنصري، أوصلهم إلى ما هم فيه من رمزية وتصدر في المشهد السياسي. أتريدون منهم ترك خطاباتهم التي أوصلتهم إلى القمة؟ من غير المنصف أن تطالب صاحب "وظيفة" بالتخلي عن وظيفة يستلم منها رواتب شهرية وامتيازات مادية ومعنوية ورمزية، ودعوات داخلية وخارجية، بل وتوشيحات وجوائز "حقوقية"!

 

كل العنصريين، قبل أن "يستقروا"، بدأوا بقوة وبخطابات صادمة وغريبة، وهذا مقصود للفت الانتباه وإثارة فضول الجمهور، وهي تقنية من تقنيات "التواصل الفعال"، بغض النظر عن طهارة ونبل الهدف.

 

القضية ليست قضية خطابات عنصرية فئوية تخرج من هنا أو هناك، بل هي أعمق من ذلك. ولا أحد من هؤلاء مقتنع بخطابه أو طرحه بقدر ما يعتبره "مهمة" أو "وظيفة" عليه أن يمارسها ليضمن موقعه ومكانته في مشهد سياسي يعج بـ"المتميزين"، وتغيب فيه معايير واضحة تعتمدها الأحزاب من يسارها إلى يمينها (باستثناءات قليلة وفي مناطق معينة) ليعبر الجادون لصدارة المشهد، فالأحزاب كما السلطات مسؤولة عن جزء من هذا الواقع المريض!

 

الفرق أن سعداني أنجزت المهمة واجتازت العتبة، بينما خاليدو جالو ومريم الشيخ وقامو عاشور ما زالوا في طور "الحصاد" وإثبات الفاعلية لضمان ورقة العبور في الانتخابات القادمة، أو الحصول على "تفاهمات" تعودت الأنظمة اتخاذها وسيلة لتفكيك المنظمات الحقوقية أو التقليل من أثرها وتمييع شعاراتها أمام الرأي العام، من خلال استقطاب "القدوات" وإشهاد الرأي العام على عدم جديتهم وضربهم مثلا أن: (على أن ذا الموحول فيه ما هو مهم، وإلا ال ذاك اعدّل هم واعس على راس).

 

مسؤولية الدولة عن الظاهرة.

ليس هناك أي مؤشر يؤكد براءة أجهزة الدولة (السلطات بمختلف مستوياتها) من مسؤولية تفشي ظاهرة الخطابات الشرائحية والفئوية.

 

قد تكون الدولة، في فترة من فترات المواجهة مع هذه الخطابات لجأت إلى "التجاهل"، لكن حين استفحلت الظاهرة عمدت إلى سياسة تمييعها من خلال التضييق على بعض المثقفين الذين كانوا يمتهنونها، واستبدالهم بـ"لاعبين جدد" أقل ثقافة وتكوينًا، ولا يحوزون على وعي يضمن لهم السير بالسرعة المطلوبة والتوقف عند الحاجة. هم تمامًا بمثابة من أعطى سيارة لسائق لم يتلق التدريب الكافي، وحين طالبه بالتوقف عجز عن ذلك؛ لأنه تدرب على زيادة السرعة ولم يتدرب على مهارات التوقف وتجنب المطبات والتعامل مع المنعرجات!

 

تقدم الكثير من الكتاب والباحثين ببحوث ومقترحات للتعامل مع مجمل القضايا الحقوقية وتجاوزها لكن كل الأطراف للأسف ما زالت تصر على التمسك بالملف واستخدامه حسب الظروف والحاجة!

 

في ظل الاختلالات التي سببتها وضعيات تاريخية، يُطلب من الدول الجادة والمسؤولة أن تعالج تلك القضايا بشمولية، تأخذ في الاعتبار وضع المتضررين سابقًا، ومنحهم امتيازات وتفضيلات تسمح لهم بالعبور الآمن والسلس والمشاركة في بناء الوطن. ولن يتم ذلك إلا بالتركيز على التعليم ومنحه الأولوية، باعتباره الضامن للاستقرار والحافظ لكينونة البلد ووحدته.

 

على الدولة أن تراجع السياسات السابقة المتمثلة في ضرب "الفئويين" ببعض، وإشغالهم بأنفسهم، ومنحهم امتيازات مقابل السكوت والسير بهدوء. عالم اليوم الذي تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد يسمح بذلك، والكلمة أصبحت أخطر من أي سلاح، خصوصًا في مجتمع له خصوصيته، وينساق أغلبه وراء الخطابات دون تفكيك أو بحث في خلفياتها ومآلاتها.

 

ظاهرة سحب "سعداني" (واستخدام الأسماء هنا هو التعبير عن الظاهرة) من حزب معارض وضمان تهذيب خطابها وترشيده وجعله في صف السلطة ليست هي الحل، كما أن صناعة "بيرام" ثم خروجه عن الطوق كما حدث ليست هي الحل.

 

خاليدو جالو ومريم الشيخ وقامو عاشور ليسوا عنصريين؛ بل تصدروا المشهد ونالوا المكانة بخطابات "رائجة"، ولن يتراجعوا عنها إلا إذا وجدوا ما هو أربح منها! والشعب هو آخر المستهدف ومصلحته نافلة في العمل "الحقوقي"!

 

قد يعتبر البعض أن هذا الطرح تبسيطي للمسألة، لكنه، للأسف، هو الحقيقة المرة.

إذا كان المرابطون رسموا المذهب المالكي واعتمدوه في حيز سلطتهم من باب "المطر الصحي على العقول" فإن القضايا الحقوقية في بلد كبلدنا يجب أن تُصادر من كل دعاتها، وأن تُترك حصرًا، وبقوة القانون، للهيئات الرسمية. رغم المآخذ عليها، فذلك أنجى.

 

وعلى الدولة أن تُجرّم رفع شعار أي فئة أو شريحة، أو التحدث باسمها ونيابة عنها، وترتب على ذلك أقسى العقوبات بصرامة.

 

فلا القوانين تسمح باستمرار ما نشاهده من انفلات وتحطيم للقيود ولا الأعراف ترضاها، ولا المجتمع يتحمل تبعاتها المستقبلية.

الأحدث