تخطى الى المحتوى
البرفيسور محمدو لمرابط اجيد

جدول المحتويات

هناك من لا تزعجه الإخفاقات بقدر ما تزعجه النجاحات حين تُنسب إلى أصحابها الحقيقيين، وهناك من تدفعه الخصومة السياسية إلى التعامل مع الواقع بعينٍ انتقائية، فلا يرى من المشهد إلا ما يوافق موقفه المسبق، بينما يتجاوز عمدا ما تحقق على الأرض من تحولات تنموية وخدمية وأمنية باتت ملموسة في حياة المواطنين.

إن الموضوعية السياسية لا تعني الاصطفاف، كما أن الإنصاف لا يُلغي حق الاختلاف. غير أن بناء الدول لا يقوم على الإنكار، ولا على التقليل من قيمة الإنجازات، وإنما يقوم على الاعتراف بالحقائق كما هي، بعيدا عن الانفعال أو الحسابات الضيقة.

لقد اختارت موريتانيا، في ظل قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مسارا يقوم على التهدئة، وترسيخ الاستقرار، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطارا جامعا لكل الموريتانيين. ومن خلال هذه المقاربة، اتجهت السياسات العمومية نحو معالجة القضايا الأساسية المرتبطة بالبنية التحتية، والخدمات، والتنمية الحضرية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، إلى جانب المحافظة على الأمن والاستقرار في محيط إقليمي بالغ التعقيد.

ولعل ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها هو أن فلسفة الحكم لدى الرئيس غزواني تبدو منسجمة مع العمق الاجتماعي والثقافي للمجتمع الموريتاني؛ فهي تقوم على قيم التوازن، والاحترام، والأمانة، والهدوء في إدارة الخلاف، وتغليب منطق الدولة على منطق الاستقطاب. كما أنها مقاربة تجمع بين البعد الأمني والرهان التنموي، وبين متطلبات الاقتصاد وضرورات الاستقرار السياسي، في إطار من الانفتاح والتقدير واحترام المؤسسات.

لقد أظهرت المرحلة الحالية أن الاستقرار لا يتحقق فقط عبر المقاربات الأمنية، بل أيضا عبر بناء الثقة، وتحسين ظروف العيش، وتوسيع دائرة الخدمات الأساسية، وتعزيز حضور الدولة في حياة المواطن بصورة عملية وفعالة. ومن هنا جاءت المشاريع المرتبطة بالمياه والكهرباء والطرق والتعليم والصحة، باعتبارها جزءا من رؤية أشمل تسعى إلى بناء دولة أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع.

ومن الطبيعي أن تتعدد القراءات السياسية وتتباين المواقف، غير أن ما لا ينبغي تجاهله هو أن تقييم التجارب السياسية يجب أن يستند إلى الوقائع والمعطيات الملموسة، لا إلى الأحكام المسبقة أو الرغبة في نفي كل ما يتحقق لمجرد الاختلاف مع القائمين عليه.

فالتاريخ السياسي للدول لا تصنعه المواقف الانفعالية، وإنما تصنعه حصيلة الإنجاز، وقدرة القيادة على الحفاظ على تماسك الدولة، وتعزيز الاستقرار، وفتح آفاق التنمية، وهي عناصر باتت تمثل اليوم جوهر أي تجربة حكم تسعى إلى بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

البرفيسور محمدو لمرابط اجيد

الأحدث