جدول المحتويات
رفعا لأي لبس؛ فإن الحديث هنا ليس عن "مجتمع الميم" بالتعبير المعاصر، وإن كان لا ينفي نفوذه داخل الطبقة السياسية الموريتانية، وإن بتفاوت بين الأنظمة الحاكمة منذ الاستقلال وحتى الآن.
بل الحديث يدور عن حرف في الأبجدية العربية، له خصائص يتفرد بها عن بقية الحروف السبعة والعشرين المشكلة معه لهذه اللغة الجميلة.
جاءت الفكرة خلال ساعة أرق كنت أستجدي النوم فيها بعد يوم عمل شاق، وتعلمون ما يفعل الدماغ في تلك الساعة، إنها لحظته المفضلة لطرح كل الأسئلة الغريبة، وتعيين نفسه ممثلا أعلى للبشرية، وعليه إيجاد حل لكل مشاكلها؛ من أزمة مضيق هرمز وحتى مشكلة الصرف الصحي في نواكشوط، وهما أقل أزمتين يمكن أن يفكر فيهما عقل في حالة أرق.
هناك طرق عديدة لمواجهة الأرق، ولكل شخص تجربته في هزيمته أو الاستسلام له، لكني أردت تجربة طريقة مرت بي ذات يوم في منشور عابر على إحدى الشبكات الرقمية.
يقترح المنشور أن تختار أحرفا عشوائيا وتمر بها على الأبجدية محاولا تشكيل كلمة ذات معنى؛ شيء أشبه بلعبة الكلمات المتقاطعة لكن في ذهنك وليس على لوح خشبي أو الصفحة قبل الأخيرة من جريدة رسمية تستخدم للف الشطائر.
أعجبتني الفكرة، وبدلا من إلهاء ذهني عن التفكير في حل مشكلة الصرف الصحي في نواكشوط أو استعراض مآلات مضيق هرمز، وجدتني مستيقظا حتى الصباح وأنا أستعرض حروف الأبجدية بلغات عديدة.
ومن بين 28 حرفا مشكلا للغة العربية اكتشفت شيئا مختلفا في حرف "الميم".
دعونا نتشارك هذا الجزء من اللعبة:
(أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وي).
قد يستغرب بعضكم هذا الترتيب للحروف، لكنه الترتيب الذي علمتني إياه وعشرات من أطفال مدينة النعمة المهملة شرق البلاد، سيدة فاضلة تدعى مريم بنت بونا رحمها الله وجعل كل حرف تعلمناه أو علمناه في ميزان حسانتها.
الآن نأتي إلى الجانب الممتع من اللعبة، لنجعل بعد كل حرف من الحروف الثمانية والعشرين حرف الميم.
(أمّ بم؟ تمّ، ثمّ، جمّ، حمّ، خم، دم، ذم، رمّ، زمّ، طم، ظم، كم، لم، مم؟ نم، صم، ضم، عم، غم، فم، قم، سم، شم، هـم، وم، يم)
ما رأيك الآن، ألا يذكرك الميم بالطبقة السياسية الموريتانية؟
أليست لها الخصائص ذاتها؛ في القدرة على التكيف مع أي قائد؟
فالميم حرف هين لين قابل لإعادة التشكل، لا يعنيه إن كان الذي أمامه ألفا أو ياء.
ومن جماليات الميم أو مساوئه أنه حرف طيع، لا يمانع الالتصاق، سواء بما سبقه أو ما لحقه، تضعه في المقدمة فيمد يده لمن بعده بلطف، فتضعه في الوسط يفتح ذراعيه للطرفين، وإن وضعته في نهاية الكلمة يحني ظهره لقدره، دون أي شعور بالحزن.
ألا يشبه تصرفات الطبقة السياسية الموريتانية؟
ترى أحد أفرادها اليوم معارضا، وغدا وزيرا، وبعد غد مستشارا في الوزارة نفسها، بل ربما يكون واليا ثم وزيرا ثم عمدة بلدية، هذا فضلا عن تبديل الحقائب؛ فاليوم هو رئيس الحكومة وغدا وزير في الحكومة التي كان يرأسها، وبعد غد مستشار أو مكلف بمهمة.
بل الأدهى من ذلك أن يكون وزيرا في نظام، ثم في النظام الذي انقلب عليه، ثم في نظام ثالث مناقض في توجهه للسابقين، ثم متسلقا إلى نظام رابع.
تأمل معي الوجوه السياسية المألوفة الآن على شاشة التلفزة الموريتانية، كم تستطيع أن تعرف من وجوه "الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي" التي كانت في مهرجاناته حتى الثالث من أغسطس 2005، وفي لمح البصر قادت مظاهرات ضده في الرابع من أغسطس قبل أن تمر 24 ساعة على سقوط الحزب، وساندت "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية"، ثم خلعت جلدها السياسي ودعمت أول رئيس مدني منتخب، وكانت متصدرة مشهد الدفاع عن التجربة الديمقراطية، لكنها في السادس من أغسطس 2008 كانت في مظاهرات مؤيدة للإطاحة به في انقلاب عسكري.
ولم تجد أي حرج في نكث "العهد الوطني للديمقراطية والتنمية" لتشكل بعد أيام قليلة "الاتحاد من أجل الجمهورية".
وبين عيشة وضحاها عقدت اجتماعا طارئا لتغيير اسم الحزب إلى "الإنصاف" في محاولة غير بريئة للتخلص من حرف الميم الذي لازم كل الأحزاب الحاكمة منذ بداية التعددية الحزبية.
لكنها بذلك أكدت "ميميتها" أكثر.
فحرف الميم لديه قدرة غريبة على التموضع لا تجدها في أي حرف آخر في اللغة العربية. تضعه في بداية كلمة وتغير حركة واحدة فتتحول من اسم فاعل إلى اسم مفعول، ومن اسم مكان إلى اسم أداة، تماما مثل وزير يتحول إلى وال، أو رئيس حكومة يتحول إلى وزير، أو زعيم معارضة يصير مواليا.
هل لاحظت أن الفرق بين "معارض ومعارض" ليس سوى تغير حركة حرف واحد في الكلمة؟
كل ذلك بفضل كفاءة الميم.
هذه القدرة الهائلة على تقبل الانقياد للمكانة المرسومة دون تأفف أو شعور بالانزعاج، لا تنفي أن الميم شخصية قيادية من الطراز الأول.
يمكن أن نعود إلى لعبة الحروف مرة أخرى.
هذه المرة سنعطي الميم صدارة المجلس، ونضعه في مكانة القائد؛
(مأ "مب" مت مث مج مح مخ مد مذ مر مز مط مظ مك مل مم من مص مض مع "مغ" مف مق مس مش مه مو مي)
هل لاحظت المهارة القيادة للميم؟
استطاع أن يقود ستة وعشرين من أقرانه، لكنه عجز عن قيادة اثنين هما: "الباء" و"الغين"، وقد تعجب من السبب.
لا يستطيع الميم قيادة الباء لقربه جدا إلى حد الاندماج والالتصاق، ولا يستطيع قيادة الغين لبعده الشديد.
من هنا يمكن أن تفهم عقلية الطبقة السياسية الموريتانية فهي لا تستطيع السيطرة على المقربين جدا منها، فلا تعصي لهم أمرا، ولا ترفض لهم طلبا، وتتودد إليهم بالصفقات والمناصب والمزايا، وتراهم في منزلة القائد الفعلي والضامن لاستمرارها.
ولا تستطيع السيطرة على الأصوات البعيدة عنها، فلا تجد أمامها إلا استمالتها بالترغيب والترهيب والمهادنة، والانشغال بالتنافس مع النظراء داخل المجموعة لكسب ود من قد يكون قائدا يوما ما.
والآن هل لك أن تتخيل من يتفوق على الميم في القيادة؟
إنه حرف مهموس رخو، ينساب بهدوء بين الحروف لا يلفت انتباه أحد، لكنه قادر على قيادة 27 حرفا متفوقا على الميم.
سأترك لك متعة استكشافه.