تخطى الى المحتوى

مسرّات وأحزان في واقعنا الإسلامي

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

سورية في ورطة

الرضا الغربي والتبني الحميم للقيادة السورية الجديدة مظنة التهمة، وليس الغربيون بأغرار كيما يلقوا بالرضا عمن كان، إذا لم يك بحوزتهم ما يطمئن الحلف على هذا الحليف! أنوه ها هنا إلى قضية مبدئية، تتعلق بموقع سوريا وأين يجب أن تكون؟ الواقعية السياسية تقول بأن كلا من سورية وتركيا على خط التماس بين الشرق والغرب، ولا مناص من اللعب على الحبلين ليسلم الرأس. ولكن الحقيقة الدائمة تقتضي أن تقف القيادة السورية والتركية من الغرب على مسافة أبعد منها نسبة إلى الشرق، لأن الشرق الناهض بقوة والراغب في التحرر من الهيمنة الغربية يملك اليوم مقومات النصر، وورقتا المضائق والطاقة سلاحان فتاكان بيديه؛ لذلك أنصح قادة الرأي في البلدين إلى تقليل النفاق السياسي، واستخدام لغة أخرى أكثر صدقا وأجدى نفعا، تتخذ من السياسة الشرعية قسطاسا مستقيما لا وكس فيه ولا شطط.

 

وماذا قدمت سوريا لفرنسا غير كيسها الخاوي لتأخذ منه ما تشاء والشعب السوري يعاني الغلاء الذي استعاذ منه المصطفى الكريم؟ الاستثمار في مجالات السياحة والطيران والموانئ لن يعقبه توطين للتكنولوجيا والمعارف كما طلب الرئيس الشرع من الرئيس الفرنسي "ماكرون"، ربما يحدث ذلك إذا ترافق التوطين مع الاستثمار أو سبقه كما فعل محمد علي لمصر. وليست المشاريع التي تأتي اقتناصا لأزمة هرمز العابرة بصفقة رابحة لسورية كي تصرف فيها أموالا طائلة ثم تعود مياه المضيق إلى مجاريها. إن نقل الطاقة من الخليج عبر سورية ليس آمنا ومستداما كما قيل، وستظهر عليه العيوب السياسية والتقنية. المهم ماذا قدمت سوريا بعظمتها التاريخية لفرنسا من معارف خالدة تفتقد إليها أوروبا؟ ألا يمكن لسوريا الجديدة أن تعرض نموذجها الثقافي على الغرب لتحل أزماته المستعصية، خاصة في الاقتصاد والأنفس والاجتماع؟

 

هنالك أخطاء قاتلة حينما يسعى القادة إلى تخليص بلدانهم من العقوبات التي يظنون بأنها تعطل التنمية في بلدانهم. إنه يكفي أن تسكت أو تهز رأسك أو تهمّش في جلسة مضى أكثر وقتها في حديث الرئيس الأمريكي إلى الإعلاميين عن قضايا تخص الولايات المتحدة، بل تحدث "ترامب" عن إعطائه الجولان المحتل لـ"نتن ياهو" ونقل سفارة بلاده إلى القدس الشرقية، من دون أن يكون لمن يفترض فيه أنه يمثل سورية والأمة في الجلسة أي ردة فعل على هذا، حرصا منه على وعد متحكم في زمامه بإزالة سورية من قائمة الإرهاب، رغبة في تدفق الاستثمارات التي تجعل الشعب السوري المحاصر يأكل ويشرب، يا لها من ذلة! "زيلينسكي" خاصم "ترامب" على الملأ لأنه أحس بأن أجنبيا يريد أن يتصرف بقراره الحر، مع العلم بأن بلاده في حالة حرب وجودية واعتراضه العلني على رئيس قوة عظمى قد يفقده دعمها الذي يراه ضروريا في حربه ضد روسيا.

 

ليس العمل وحده ما يكسب المسلم رزقا في بلاده ليعيش، هنالك قسمة الخراج بين الرعية بالعدل، وهنالك الأجرة لقاء العمل. النظام السوري الجديد إن يتخذ الإسلام منهج حياة سيعمل بهذا ويبدع، ولن تكون المطارات والموانئ أولوياته يقدمها مجانا للكيان الصهيوني كي يقصفها في أية حرب قادمة لا محالة. إن اقتصاد الحرب هو الخيار الاستراتيجي لسورية في هذه المرحلة.

 

حماقات النظام الجزائري

هنالك مسلمة في الانتخابات الجزائرية، تتعلق بنسبة المشاركة المعلن عنها دوما، والتي تتحكم فيها السلطة الفعلية للبلاد كبيضة القبان؛ فمعلوم لدى الشعب الجزائري أن النتائج الرسمية معدل فيها بالمزايدة لرفع الحرج من نسبة المقاطعة الحقيقية، التي تخضع للمناقصة في النتائج الرسمية. ومهما تكن النتيجة، فإن كل استحقاق انتخابي يمر بأي مشاركة ولو كانت شبه معدومة؛ ما يطرح السؤال الصعب على الضمير الجمعي للجزائريين: هل الأمة الجزائرية راضية عن الحكم أم لا؟ والجواب هو كلا وألف كلا! وتنكر السادة الحكام لإرادة شعبهم وتجاهل مطالبه الأساسية، هي مطالب جيل الثورة بأكمله مجاهدين وشهداء بالملايين في: "إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية" كما ورد في بيان الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954 - هو بيت القصيد في استحواذ طغمة مستحكمة على السلطة وفي عزوف الشعب عن المشاركة في تسيير البلاد منذ الاستقلال وإلى حد الساعة.

 

قرأت نصا كتبه صحفي جزائري مأجور نشر مكررا في عدة صحف سيارة ناطقة بالعربية والفرنسية! يفسر فيه صاحبه مقاطعة الشعب للانتخابات بأنها "مقاطعة للأحزاب بعدما تحرر الصندوق"!!! وليته لم يكتب ما نشر، أو كتب لكن ليس باسم "مؤسسات" إعلامية، لأنه طمس الحقيقة ودلّس على الناس الذين يعون جيدا أين الخلل في بنية الدولة الجزائرية حتى الأميين منهم شيوخا وعجائز، ما يجعل هذه الصحف مشاركة في التضليل الإعلامي.

 

وأنا على يقين بأنه سيأتي يوم تعود فيه الجزائر إلى رشدها، وسيظهر من الأجيال من يواجه هذه المؤسسات الإعلامية على موقفها الذي لم يتحسس نبض الشعب حينما عبر بالعزوف الانتخابي عن عدم رضاه عن الطريقة التي تتبعها السلطة في إدارة شؤونه العامة.

 

تعددت الأسماء والبرلمان واحد حتى وإن جاءت النتائج "الرسمية" بألوان الطيف السبعة، فهي ترمز للمثلية السياسية في الجزائر الجديدة. ولنتأمل كيف يتصرف النظام في مصير البلاد: لقد أغدق النظام القائم بالفعل على رجاله العسكريين في عيد الاستقلال أمس بالرتب العالية والأوسمة، ووعد فئات هشة من المجتمع ببيعها سكنات لا يصلح أكثرها لحياة كريمة، في سلوك لا يخلو من استرضاء بعض الشعب بعد المقاطعة الساحقة للانتخابات التشريعية، إنه استرضاء من يستأثر بإرث الأمة كله من خلال رشوة ملعونة للورثة الحقيقيين، لعلهم يصمتون أو ينسون إلى حين!!

 

آمال مرجوة

سمفونية تسليح الجيش اللبناني - بدعوى أنه الضمانة الأقوى لبقاء الدولة التي تحمي الأقليات - يعزف عليها المؤمنون بالوطنية القطرية لا بالأمة الإسلامية، وعلى رأسهم اليمين اللبناني، ويرون في ذلك حماية لهم ليس من الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى بل من شركائهم في الوطن العابرة ولاءاتهم الحدود الموروثة عن الاستعمار؛ لذلك فعلى الوطنيين ترك هذا الموضوع لأنه غير منتج، وفتح العلاقات فورا مع كل الأمة التي تريد الدعم الفعلي لمشروع التحرير الكبير، لأن تقوقع الأحرار داخل جغرافيا ضيقة كلبنان يشبه وضع السيف الصلت في غمد الخنجر.

 

قبول الدعم غير المشروط من أي جهة كانت لا ضرر فيه للطوائف الواقعة على خط النار، ولو كان الدعم تركيا أو باكستانيا، من سورية أو من إيران، من الجزائر أو أفغانستان... لأن المسلم أخو المسلم، والمسلمون ذمة واحدة. ​بعض الناس وضع رأسه في جرة ويظن بأنه يبصر بعيدا، كالزعم بأن النظام الإيراني متحالف مع الصهاينة والأمريكان، وما وجد إلا لخدمة هؤلاء؛ هذه شنشنة معروفة من ملوك الخليج، حفظتها أتباعهم عن ظهر قلب ويكررونها دائما مثل الببغاوات.

 

ثم إن استقلالية الرأي والقرار تهب الطوائف الإسلامية التي تشكل رأس الحربة في مواجهة الاحتلال الصهيوني براءة ذمة من الدعم الخارجي والمال السياسي. لغة التبرّئ من الدعم تزلف لقوى خليجية لا باع لها في المواجهة وإن كان باعها عريضا في موالاة أعداء الأمة. الجماعة الإسلامية في لبنان أصبحت مستهدفة اليوم، وعليها أن تشحذ المخالب والأنياب وتقدم مشروعها الجهادي، الذي سيفتح أبواب الزحف لأحرار الأمة نحو الأقصى الشريف بإذن الله.

 

لا بد من النظرة الشمولية لهذا الصراع، لأن ما يحدث في مضيق هرمز لا ينفصل عن الصراع في فلسطين، ولا عن صراع الغرب مع الصين، ولا عن الصراع في شرق أوروبا بين الروس والأوكرانيين. وهذا الاصطفاف الحاد واضح في خط التماس بين الشرق والغرب من شماله إلى جنوبه. لازمة الدول الخليجية في النظر إلى إيران تآكلت ولم يعد لها سوق اليوم على المستوى الواقعي والشعبي، بل أضحت أحلام يقظة يضحك منها البسطاء. على الأمة جمعاء بقادتها وشعوبها أن تعود إلى دينها ونبيها لتعمل بالوصايا العاصمة من هذه الكوارث، وليس صعبا فهم ذلك ولا تطبيقه. من يضع الفيتو على الوحدة بين المسلمين هم الغزاة الذي جاؤوا من وراء الأطلسي لاحتلال بلاد المسلمين، وهنالك من الأمراء والملوك من دفع لهم تكاليف هذه الحملة الصليبية من مال الأمة مسبقا بلا تفويض شعبي، والعالم بأسره شاهد ذلك مباشرة وعاينه!

الأحدث