جدول المحتويات
الهدف ليس تحقيق مساواة شكلية مطلقة، بل الوصول إلى عدالة حقيقية تعترف بالفروق الفردية. التفاوت لا يعني بالضرورة ظلما. كما يظهر داخل الأسرة حيث يتلقى الأبناء نفس الرعاية لكن تختلف استجاباتهم ومآلاتهم. على مستوى الدولة والمجتمع في السياق الموريتاني، تظهر تفاوتات نتيجة ممارسات وترتيبات تاريخية. ومع ذلك، من المهم التنبه إلى أن بعض ممارسات الماضي نتجت عن إكراهات وظروف زمنية كانت تراها طبيعية عكس رؤيتنا اليوم، وليست كلها ظلما مقصودا. لذا لا ينبغي تعميم وصف كل ما جرى تاريخيا بأنه ظلم مقصود من دون مراعاة السياق. كما أن الخوض في تفاصيل تلك الممارسات لتمييز ما إذا كانت ظلما مقصودا أم نتيجة إكراهات لا يخدم دائما الحوار البناء. ومع تأسيس الدولة الحديثة وإجراء إصلاحات نسبية، أصبحت الحاجة ملحة لسياسات تصحيحية تعالج آثار التهميش التاريخي وتزيل العقبات البنيوية بدلا من الحلول السطحية أو تعميم الأحكام.
برز في هذا الإطار ما يعرف بـ«التمييز الإيجابي»، وهو محاولة للتعامل مع آثار التهميش التاريخي أو الهيكلي من خلال منح مزايا لفئات معينة كتعويض عن تهميش سابق، لكنه سرعان ما واجه انتقادات باعتباره تمييزا سلبيا في جوهره. إذ قد يتحول إلى تمييز عكسي ويهدد مبدأ الكفاءة. لذلك بدا من الضروري إعادة التفكير في أدوات التدخل لتصبح أكثر استدامة وفعالية.
هنا يتبلور بديل عملي هو «العمل الإيجابي». العمل الإيجابي لا يهدف إلى منح امتيازات على أساس الانتماء، بل يركز على إزالة الحواجز البنيوية واستثمار سياسات تمكين تخلق تكافؤ الفرص فعليا.
يشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الاستثمار في التمدرس الإبتدائي بشكل جدي برؤية مستقبلية، وربط المساعدات المادية المقدمة من طرف برنامج التآزر بشرط وثيقة تثبت مواظبة الأولاد على الدراسة، إنشاء صندوق وطني لرعاية وتمدرس الأيتام، تهيئة المرافق لذوي الاحتياجات الخاصة، تيسير الولوج إلى الخدمات العامة والنقل، رقمنة الإجراءات الإدارية، واعتماد آليات توظيف شفافة تقلل المحسوبية، رقمنة الصفقات العمومية وتسهيل وصول الشباب إليها عبر إنشاء منصة إلكترونية موحدة تضمن الشفافية، ونشر جميع الصفقات، وتقسيم الصفقات الكبرى إلى حصص تناسب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتخصيص نسبة منها للمؤسسات الشبابية المؤهلة، وتوفير نظام لتقييم المقاولين وتسجيل التظلمات ومتابعتها، مع تخفيف متطلبات الضمانات المالية، وإنشاء آلية تمويل وضمان بالشراكة بين الدولة والبنوك لتمكين رواد الأعمال الشباب من تنفيذ الصفقات التي يفوزون بها،إنشاء وسطاء للأحياء، مدربين وذوي حكمة، يدفع راتبهم من البلدية، لتوعية الشباب بالحياة المدنية والقواعد المشتركة، وللمساعدة في منع الجريمة۔ بهذا التحول يصبح التركيز على بناء قدرات الأفراد والمؤسسات بدلا من تقديم امتيازات مؤقتة قائمة على الانتماءات.
مع ذلك، قد تظل الحاجة قائمة لإجراءات تصحيحية مؤقتة في مراحل انتقالية لتسريع إزالة العقبات. الفرق أن هذه التدابير تدرج داخل استراتيجية هيكلية تهدف إلى تمكين طويل الأمد لا إلى إرساء امتيازات ثابتة.
ولتفعـيل هذه الرؤية عمليا، لا بد من أولويات واضحة في الإدارة العامة: إنشاء سجل الشفافية ومكافحة الفساد، لتسجيل كل من ثبت ضلوعه في فساد من موظفين وشركات مقاولة، تفاديا لتدوير المفسدين والتعاقد مع شركات لم تلتزم بدفتر الالتزامات أو تورطت في عملية مشبوهة، ليبقى المجال مفتوحا أمام الجدية والنزاهة والكفاءة، كذلك، دعم وتشجبع الصحافة الاستقصائية لمحاربة الفساد ودعم الإصلاح، بإتاحة المعلومات والبيانات، وحماية الصحفيين، ضمان استقلال القضاء، رقمنة الإدارة، تعزيز الشفافية، وإقرار مدونة سلوك ملزمة للفاعلين السياسيين والإعلاميين والمدونين، لتعزيز الخطاب المسؤول والحد من خطاب الكراهية والتحريض، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف وتعزيز السلم المجتمعي.
هذه الإجراءات تهيئ قواعد عادلة لصنع القرار وتوزيع الفرص بعيدا عن الاعتبارات الضيقة والانتماءات الخاصة. وفي عصرنا، تتيح الرقمنة والتطبيقات الرقمية للجميع فرصا أكبر للتعلم والابتكار، مما يخفف العبء على الدولة ويفتح مساحات جديدة للمشاركة المجتمعية.
أثبت التاريخ أن المجتمعات تتجاوز الظلم والتهميش حين تبني مؤسسات عادلة وتتبنى سياسات تمكين تدمج الفئات المهمشة بدل استبدالها بصيغ تقاسم مؤقتة. في موريتانيا، كما في أي بلد، يكمن مخرج دوامة الضغط المجتمعي في المواطنة الجامعة، سيادة القانون، وسياسات واضحة تفضي إلى تكافؤ فرص حقيقي وتنمية شاملة ومستدامة.