تخطى الى المحتوى

عودة ماكي صال إلى داكار... لحظة سياسية تتجاوز رمزية الزيارة

أحمد محمد حماده - كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

نادراً ما تكون عودة رئيس سابق إلى بلاده حدثاً عادياً، خصوصاً عندما تأتي في مرحلة تتغير فيها موازين القوى وتُعاد فيها صياغة المشهد السياسي. وهذا ما ينطبق على العودة المرتقبة للرئيس السنغالي السابق ماكي صال إلى العاصمة داكار، بعد غياب دام منذ مغادرته السلطة.

 

فالزيارة، وإن جاءت تحت عنوان دبلوماسي يتمثل في دعم ترشحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، تحمل في توقيتها دلالات سياسية يصعب تجاهلها. فالسنغال تعيش منذ أشهر مرحلة انتقالية دقيقة، أعقبت انتهاء التحالف الذي قاد البلاد إلى السلطة في انتخابات 2024، وأدخلت الحياة السياسية في ديناميكية جديدة لم تستقر معالمها بعد.

 

من الناحية الرسمية، يسعى ماكي صال إلى حشد الدعم لترشيحه الأممي، بعد أن تقدمت بوروندي بترشيحه رسمياً. وفي هذا الإطار، يلتقي الرئيس باسيرو ديوماي فاي، في اجتماع يحظى باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، ليس فقط بسبب جدول أعماله، بل أيضاً بسبب ما يمثله من لقاء بين رئيس يقود البلاد اليوم، وآخر ما زال يحتفظ بحضور سياسي ودبلوماسي مؤثر.

 

لكن أهمية الزيارة لا تكمن في اللقاء وحده، بل في السياق الذي تندرج فيه. فإقالة عثمان سونكو من رئاسة الحكومة لم تكن مجرد تعديل حكومي، بل شكلت نقطة تحول أنهت الشراكة التي قامت عليها تجربة الحكم الجديدة. ومنذ ذلك الحين، دخلت السنغال مرحلة تتسم بإعادة ترتيب التوازنات، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه داخل مشهد سياسي أكثر انفتاحاً وتعقيداً.

 

وتكشف هذه التطورات عن حقيقة كثيراً ما تواجهها الديمقراطيات الناشئة: فالوصول إلى السلطة شيء، وإدارة الدولة في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية شيء آخر تماماً. فقد فرضت أزمة الدين العام، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وضغوط الإصلاح الاقتصادي، تحديات لم تترك مجالاً واسعاً للمناورة، وأعادت ترتيب أولويات السلطة الجديدة.

 

وفي المقابل، يبدو ماكي صال وكأنه يفتتح فصلاً جديداً من مسيرته السياسية. فبعد اثني عشر عاماً في قصر الرئاسة، لم يعد يبحث عن موقع داخل السياسة الوطنية بقدر ما يتطلع إلى دور على الساحة الدولية. ومع ذلك، فإن أي طموح أممي يظل مرتبطاً، بدرجة أو بأخرى، بعلاقة صاحبه بدولته ومؤسساتها، وهو ما يمنح لقاءه مع الرئيس ديوماي فاي أهمية تتجاوز المجاملة البروتوكولية.

 

ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين ما تؤكده الوقائع وما تذهب إليه التأويلات. فحتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على وجود تفاهمات سياسية أو ترتيبات جديدة بين الرجلين. غير أن مجرد انعقاد اللقاء يعكس استمرار تقاليد الحوار داخل الدولة السنغالية، وهي سمة حافظت عليها البلاد حتى في أكثر محطاتها السياسية حساسية.

 

وفي خلفية هذه التحولات، تبرز تحديات لا تقل أهمية عن المنافسة السياسية. فالسنغال مطالبة باستعادة ثقة شركائها الماليين، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية، والاستفادة من موارد النفط والغاز بما ينعكس على حياة المواطنين. وهي ملفات ستؤثر، بلا شك، في شكل التحالفات السياسية وفي قدرة مختلف الفاعلين على كسب ثقة الرأي العام.

 

لذلك، تبدو عودة ماكي صال إلى داكار أكثر من مجرد محطة في حملة دبلوماسية. إنها لحظة تختبر فيها السنغال توازناتها الجديدة، وتؤكد مرة أخرى أن السياسة لا تُقاس فقط بمن يشغل السلطة، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على إدارة التحولات والحفاظ على الاستقرار.

 

ومهما تكن مخرجات هذه الزيارة، فإنها تعكس حيوية المشهد السياسي السنغالي، وتؤكد أن هذا البلد لا يزال قادراً على إنتاج مشهد سياسي متحرك، تتقاطع فيه الطموحات الشخصية مع حسابات الدولة، دون أن يفقد تقاليده الراسخة في الحوار والتنافس الديمقراطي.

الأحدث