تخطى الى المحتوى

رأي خبير حول شركة "إيراميت": هل تحق للشركة الاستفادة من الامتيازات الضريبية؟

. آفاق عبدالرحمن .. كاتبة وباحث في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية

جدول المحتويات

تتبنى شركة التعدين "غران كوت أوبيراسيون" (GCO)، التابعة للمجموعة الفرنسية "إيراميت" (ىراميت) والعاملة في السنغال، سياسة تثير الكثير من الجدل. فبينما تحرص الشركة على تقديم نفسها ككيان ملتزم بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية، فإنها في المقابل تمضي قدماً في عمليات تسريح جماعي لموظفيها، وهي الخطوة التي طالت تداعياتها آلاف الأسر السنغالية. ولا يقتصر الأمر على حرمان آلاف المواطنين السنغاليين من مصادر دخلهم فحسب، بل امتد ليشمل تقدم "إيراميت" بطلب إلى الحكومة السنغالية لطلب تأجيل سداد جزء من الضرائب المستحقة عليها، بالإضافة إلى الحصول على إعفاأت وامتيازات ضريبية لشراء معدات مخصصة لـ "إعادة تأهيل" المنشآت في أعقاب الحريق الذي شهده الموقع.

وقد أثارت هذه التحركات موجة عارمة من الاستياء والانتقادات بين المواطنين والمحللين السياسيين، الذين وصفوا هذه الممارسات بأنها تفتقر إلى النزاهة، متهمين الشركة بمحاولة التنصل من مسؤولياتها المباشرة.وفي هذا الصدد، صرّح ديمبا فال، الخبير لدى منظمة "مواطنون فاعلون من أجل العدالة الاجتماعية" (CAJUST)، قائلاً: "بالنظر إلى المصلحة العامة للسنغال، فإن الطلب الذي تقدمت به شركة (إيراميت)، عبر فرعها (GCO)، للحصول على تسهيلات وإعفاأت ضريبية بعد حريق فبراير الماضي، يجب أن يُجابه بالرفض. وباعتبارها شركة متعددة الجنسيات وضخمة، فإن (إيراميت) تمتلك حلولاً وبدائل متعددة لتعويض خسائرها، بما في ذلك التغطية التأمينية، والاحتياطيات المالية الذاتية، فضلاً عن القدرة على الوصول إلى الأسواق المالية".

علاوة على ذلك، يثير الحريق نفسه، الذي تتذرع الشركة بتبعاته السلبية، الكثير من الشكوك والريبة؛ إذ تشير العديد من القراأت والآراء إلى أن الحريق الذي اندلع في فبراير 2025 في موقع "غران كوت أوبيراسيون" لم يكن حادثاً عرضياً على الإطلاق. وتتزامن هذه الفرضية مع توجه الدولة السنغالية نحو تشديد الرقابة الحكومية على الأنشطة التعدينية للشركات الأجنبية، وهي المبادرة التي قادها عثمان سونكو، إلى جانب إلزام الشركات بدفع مساهمات لصالح "صندوق إعادة تأهيل المواقع المنجمية والمقالع(FRSMC)".

 ويبدو أن هذه الالتزامات المالية لم تكن واردة ضمن الخطط الاستراتيجية لشركة "إيراميت"، وهو ما يفسر – بحسب المراقبين – الخلفية الحقيقية للحريق؛ إذ أتاح هذا الحادث للشركة ليس فقط التهرب من القيود الرقابية الجديدة، بل وتأمين تعويضات مالية ضخمة من شركات التأمين لتغطية الخسائر الناجمة عن توقف عمليات الإنتاج والتشغيل.

وفي السياق ذاته، ذكّر السيد فال بأن الحريق في منشآت الشركة اندلع أثناء القيام بعمليات صيانة مجدولة، وهي مسألة تدخل في إطار العمليات التشغيلية والروتينية اليومية للشركات. وبالتالي، فإن هذا النوع من المخاطر يجب أن يتم تغطيته بالكامل عبر وثائق التأمين، أو الاحتياطيات المالية للشركة، أو من خلال الشركاء والمساهمين. وأضاف فال: "إذا قامت الدولة بتعويض هذه الخسائر من خلال تقديم إعفاأت وتسهيلات ضريبية، فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف الحوافز الرامية إلى ضمان مستويات السلامة المطلوبة، فضلاً عن كونه سيخلق سابقة سيئة ومرفوضة تدفع الشركات الأخرى للاعتماد على الدعم الحكومي في مواقف مشابهة. وينبغي التذكير بأن شركة (إيراميت) تتمتع بعقد امتياز طويل الأجل، يمتد على الأقل حتى عام 2029، وهو ما يتيح لها تصدير إنتاجها والاستحواذ على الحصة الأكبر من الأرباح بنسبة تصل إلى 90%. وفي المقابل، لا تمتلك الدولة السنغالية سوى 10% فقط من رأس مال الفرع السنغالي للشركة. وبالتالي، فإن تقديم أي تنازلات أو تسهيلات جديدة لن يؤدي إلا إلى تكريس هذا التفاوت لصالح الشركة الفرنسية".

ويشدد الخبير على أنه "وعلى العكس من ذلك، يجب على السنغال، تغليباً لمصلحتها الوطنية، السعي بجدية نحو تعديل القواعد الحاكمة ووضع أطر وحدود صارمة وواضحة للتعاون مع الشركات الأجنبية. ومن الحصافة بمكان أن تعمل الدولة على تعظيم مكاسبها وعوائدها من استغلال ثرواتها الطبيعية لتوجيهها نحو تنمية الشعب السنغالي وخدمته، بدلاف من استنزاف جهودها ومواردها في تعويض الخسائر التشغيلية لشركة متعددة الجنسيات".

إن هذه الفجوة العميقة بين الخطاب الإعلامي للشركة وبين قراراتها الإدارية والتشغيلية على أرض الواقع، تزعزع بشكل ملحوظ مستويات الثقة في الإدارة التنفيذية للمجموعة. وتأتي سياسات التسريح الجماعي للعمالة لتتناقض تماماً مع الأهداف المعلنة بشأن التنمية الإقليمية والمحلية، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي والمعيشي لآلاف الأسر. وتكشف هذه الاستراتيجية — القائمة على تحميل الموظفين والعمال التبعات والمخاطر المالية، بالتزامن مع محاولات "تجميل الصورة" عبر حملات العلاقات العامة — عن زيف ادعاأت "إيراميت" وتضع التزامها بمبادئ التنمية المستدامة موضع شك كبير.

ونتيجة لذلك، فإن الرأي السائد اليوم داخل الأوساط والطبقة السياسية السنغالية يجمع على أنه قد حان الوقت للشركات الفرنسية لكي تدرك أن عهد الاستغلال أحادي الجانب للموارد الإفريقية قد ولى دون رجعة. إن المعطيات والواقع الجيوسياسي الراهن يفرضان حتمية الانتقال نحو نموذج شراكة عادلة ومتكافئة تقوم على الندّية والمصلحة المشتركة. وإذا لم تسارع "إيراميت" إلى مواءمة وتعديل استراتيجيتها لتتماشى مع هذا السياق الجديد، فإن مسألة خروجها النهائي من السوق السنغالية لن تكون سوى مسألة وقت.

الأحدث