جدول المحتويات
إرهاصات الوعي
من المحال أن تبقى المضايق والممرات المائية آمنة والحملات الصليبية والصهيونية قائمة، إنه لا مذكرات التفاهم ولا الاتفاقات الثنائية بين أهل البلاد والغزاة بمجدية، ما لم تعالج الأزمة من جذورها، وجذورها ضاربة في أعماق المخططات الاستعمارية للسيطرة على بلاد المسلمين، وأولها اقتلاع شعب بأكمله من أرضه بفلسطين واستبداله بشعب أوتي به من الشتات مغضوب عليه من الله والناس أجمعين.
لا يبدو الخلاف بين الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية عميقا، لأن بين الدولتين العميقتين في البلدين وشائج عضوية تعتبر الكيان الصهيوني قاعدة متقدمة للولايات المتحدة خاصة وللغرب عامة. الخلاف بينهما في أسوئ الظروف وقع على خلفية التخلص الأمريكي من ورطة الحرب مع إيران والتي أغراهم بها الكيان، الذي لا يزال يريد تسخير القوة الأمريكية لإضعاف عدوهم المشترك. ولكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، فمذكرة التفاهم كانت حلما أمريكيا بعدما خرجت الحرب عن السيطرة ودخل المضيق في هذا الصراع كبيضة القبان. الكيان الصهيوني عالق في لبنان، والخروج منه هزيمة ثقيلة، ستنسيه مشروع إسرائيل الكبرى. وإن القادم عليه أدهى وأمر.
قصص الاغتيالات الكبيرة التي يذيعها الكيان الصهيوني مخلوطة بالأساطير، إن لديه هوسا بتعظيم الإجرام وجعله مصدرا للخيال والرعب، ليرهب به كل مناهض لسياساته ووجوده. إنها عقدة الهولوكوست التي عاشها أسلافه ولا ريب في أن تعيشها أخلافه؛ إن الذين يتفاخرون بقتل الناس في بلاد ليست ببلادهم أقول لهم: الأيام دول، والديان لا يموت، فاصنعوا ما شئتم، فكما تدينون تدانون!
أرجو من الله أن يكون استشهاد حسن نصر الله كفارة لذنوبه التي اقترفها بحق الأمة، والأمة مدعوة للصفح عنه بعدما نال هذا الشرف العظيم وهو يساند إخوانه في غزة في أيام مشهودة هي من أيام الله العظيمة، كان الرجل فيها يقاتل مقبلا غير مدبر، وكان غيره يدفع للأعداء من مال الأمة ليكسر شوكتها، فنعمت العاقبة الشهادة! وبئست الطوية الخيانة!
يوم التوقيع على الاتفاق بين الحكومة اللبنانية والصهاينة هو يوم العار في لبنان، وهذه بدعة سياسية لم يسبق لرؤساء الجمهورية اللبنانية ولا لرؤساء الحكومات السابقين أن تجرؤوا عليها رغم الفساد الذي به عرفوا. وللتمحيص أقول: إنه اتفاق الصهاينة المحتلين مع أهل الذمة من نصارى المشرق، الذين تمتعوا خلال تاريخنا الإسلامي بما يشبه العهدة العمرية، قبل أن تظهر الكيانات القطرية الآيلة إلى الزوال لا محالة؛ فليتذكر أهلنا المسيحون ذلك جيدا، وليأخذ أهلنا المقاومون من حزب الله العبرة، بأن تحرير لبنان وفلسطين لا بد أن يمر عبر مشروع جامع، يشبه مشروع صلاح الدين، لا عبر مشروع آخر سواه.
هنالك حلقة مفقودة من السلسلة بين مكونات الأمة يحاول الاحتلال وداعموه سدها بما يخدم مصالحهم ويجعل من السلسلة سوطا بأيديهم يفعلون به ما يشاؤون في جسد الأمة الواحدة. على الحكومة السورية أن تتجاوز عقدة الجراح التي خلفها الصراع مع نظام الأسد البائد ومع من وقف إلى جانبه كحزب الله. وعلى المقاومة في لبنان أن تعي بأن مصلحتها من مصلحة الأمة، وأن التلاحم مع الدولة السورية ضمانة لبقائها وقوة لشوكتها، ولم لا تجر معها المحور المقاوم كله لتكوين جبهة إسلامية يشارك فيها الجميع حتى الأتراك والأفغان وكل أحرار العالم؟ إنه لا يزال حزب الله ينأى بنفسه وبمشروعه عن هذه الاستحقاقات الكبرى، ولا يزال خطابه جافا وغير ودود اتجاه الأمة خلافا لخطابه اتجاه الجمهورية الإسلامية في إيران. ومن للأمة كي يقودها إلى هذه الغاية النبيلة غير قادتها الخلص الأوفياء؟ من واجب الأمة اليوم أن تتراحم وتتلاحم، لا أن تتنابذ وتتقاتل.
المغاربة وفخاخ الغفلة
سبحان الله،! لا يزال الخطاب نفسه الذي تبنته المعارضة التونسية ضد نظام ابن علي يتكرر من دون أي جديد، هذا الخطاب حكم أهله تونس وأدى حكمهم إلى وصول البلاد اليوم إلى نظام بوليسي شبيه بالنظام البائد. لا يكفي أن تتوحد المعارضة على إسقاط قيس سعيد من دون الإجابة عن ماذا بعد؟ الأمة تحتاج إلى خطاب أصيل فطري، يحيي مشروع الزيتونيين العمالقة للدولة. وغير ذلك - ولو كان إسلاميا - سيصل إلى مأزق لأنه يعيد التجربة نفسها وليس لديه ما يفيد. الوحدة بين الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي لتحرير فلسطين محظورة عليهم من قبل القوى العظمى، ولا بد من كسر القيود واستنبات أنظمة متدينة تشبه نظام الجمهورية الإيرانية ولكن على الطريقة السنية.
أية ملهاة هذه وأي ضياع هذا يا مناصرين للمنتخبين الجزائري والمغربي في كأس العالم؟! الصهاينة يتمددون على أراضي المسلمين وأنتم تصرخون في الليالي كالمجانين، مستهترين بأعراضكم أمام العالمين وكأنكم غير مسلمين، هذه فتنة ألقى بها اليهود ليصدوكم عن القضايا الكبرى للأمة وليظفروا هم بالكأس الحقيقية لمونديال الكرة الأرضية. هل رأيتم فريقا للعدو الإسرائيلي في هذا المونديال الكروي الزائف أيها الغافلون؟!
قضية الهوية ومقتضياتها مضى عليها قرن من الزمان، ولا تزال تعاود الظهور في كل استحقاق تمر به البلاد حتى بعد الاستقلال. ولا يزال الجزائريون يتساءلون عن هويتهم ووضعيتهم داخل هذه الدولة؟ وعمن يتحكم فيهم وكيف يدير شؤونهم؟ وعن حقوقهم المعنوية والمادية ومن يحرمهم منها؟ وعن كل شيء تقريبا... ولا يوجد جواب واضح عن كل هذا، ولا يوجد قادة رأي فاعلين على الساحة، نظرا للخناق المضروب على الحريات والكتم التام على الأنفس والأنفاس، وإلى الله تعالى المشتكى!
الاستثمار المفصول عن الله لا ينجح، والدليل على ذلك ما يرافق هذا الاستثمار من فساد مالي وأخلاقي: القروض الربوية حرب على الله وعلى الرسول، والرشاوى التي تعطى للموظفين لقاء تسهيل المعاملات ملعون أصحابها، والمستثمرون الذين يعملون ظاهرا ولكن أعينهم على المال الذي اقترضوه لا على المجال الذي فيه ينتجون، والمنتوج الغذائي بيّن ضرره لعدم خلوه من الكيمياويات المهلكات... وخير من ذلك كله: العمل بالحلال، والتملك بالإحياء، والشفقة على المال والأرض والأحياء.
التحدث بنعمة الله من باب التواضع والعبودية لله، وليس من باب التفاخر والعياذ بالله! فلنحمد الله على أن أغاثنا الله برزقه ولنتصدق. وقد أحسن الله بأهلنا في المغرب الشقيق أنهم اتخذوا الحيوانات والعربات التي تجرها وتعاونوا في ما بينكم في موسم الحصاد؛ لأن كثرة الآلات تذهب بالغلال، ولا تبقي للفلاحين إلا القليل. {ولئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}.
الفضل لمن يعود في كل هذه النعم: الأرض والزرع والماء والمال الذي به رفعت هذه الصوامع والاكتفاء، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي؟ والعجيب ألا يحمد المسؤولون الجزائريون الله تعالى الذي منّ بهذا الخير على عباده وتكرم! فأي غفلة هذه يا موظفون!
المهم أن تؤمّن أرزاق الفقراء والمساكين ما داموا أحياء وما بقيت الجمهورية الموريتانية قائمة، لأن قضية العيش من المال العام بالتساوي بين الحاكم والمحكوم من حق المسلم في هذا البلد وفي كل بلد. لا أن تكون المعونة موسمية، وأسوأ ما تكون هذه اليد الحانية عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية.
الازدراع عمل مبرور لا يفعله أكثر المسلمين، رغم ما بحوزتهم من أراض شاسعة، ولكن أهلنا في غزة يفعلونه وهم مرابطون، فعليهم أن يصمدوا وأن يزرعوا ولو تحت الأسرِّة، فتحت الأسرِّة حياتان: عيشة بعزة، أو شهادة بلا ذلة! ثبتهم الله وقوى صبرهم!