تخطى الى المحتوى

اللهجة الحسانية كما يراها علماء الشناقطة

محمد يحيى ابن احريمو

جدول المحتويات

أتعجب من إنكار بعض الإخوة الكرام لنسبة اللهجة الحسانية "لبني حسان" مع أنهم منسوبة لهم على لسان الناطقين بها قديما وحديثا، وبشتى الصيغ التي تقع بها نسبة اللغة إلى شعب أو عشيرة: "لغة بني حسان، كلام أولاد حسان، اللغة الحسانية، المنطق الحساني" وهذه التعبيرات واقعة في كلام كثير من الأجلاء الذين هم أدرى باللغة والتاريخ من من رام إبطال هذه النسبة اليوم، وكلامهم في ذلك نظما ونثرا يضيق المقام عن استقصائه.
قال الشيخ محمد العاقب بن ما يابى الجكني في نظمه لنوازل سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ناظما كلاما له في تأكيد لفظ الطلاق:
ومن يقل بالمنطق الحساني*** خليت جليت فطلقتان
وقال الشاعر محمد ولد أبن الشقري يخاطب بعض الشعراء بعد مشاعرة جرت بينهما بالحسانية:

لُغَى حَسَّانَ لَم تَكُ لِلنَّبِيهِ*** بِلاَئِقَةٍ ولَم تَكُ تَطَّبِيهِ
فَحَىَّ عَلَى القَرِيضِ فَإِنَّ فِيهِ*** مَجَالاً لِلزَّوَايَا تَقتَفِيهِ

وألف الشاعر الجكني مولود بن عمار العربْ ا التيندوفي ديوانه المسمى "ديوان حسان" جمع فيه أشعاره التي نظمها بالحسانية وقدم له بمقدمة جيدة. وقد ألفه سنة 1303هـ وهو حسب علمي أول من جمع ديوانه من شعراء الحسانية..
وألف العلامة محمد بن حبيب الله بن أحمد مولود الجكني الرمضاني (كان حيا في حدود 1280هـ) كتابه "نظم المختصر نصفه بالعربية ونصفه بالحسانية" واستشهد الشيخ باي الكنتي بمقطوعات من جزئه الحساني في نوازله المجموعة..

إن إضافة أي لغة إلى أي مجموعة أو شعب تقتضي ضرورة أنها لغته الأصلية، وأنه اختص بها وعرف بها على الأقل في بعض المراحل دون غيره.. ولذلك يقولون: "لغة ربيعة ولغة مضر" كما يقولون: "لغة صنهاجة ولغة مسوفة" مع أن المؤرخين تحدثوا عن اختصاص هذا الشعب الحساني بهذه اللغة ونطقهم بها قبل غيرهم من مجتمعات هذا البلد، قال الشيخ محمد الإمام بن الشيخ ماء العينين في كتابه: "الجأش الربيط في الدفاع عن عروبة شنقيط"ص 27: "وأما الحسانية فالمقصود بها العربية الراهنة إضافة لبنى حسان و إيذانا أن اللغة قبلهم لم تكن عربية لان كلام البلاد الاصلى انما هو الصنهاجية، ولذا ترى كثيرا من قبائل الزوايا لا يتكلم إلا بها استملاحا واستحسانا لها، وإن كان يحسن غيرها، بخلاف بني حسان فلا يتكلمون إلا بالحسانية". انتهى كلام الشيخ محمد المامي..

وبين الشيخ محمد بن أحمد يوره في كتاب "إخبار الأخبار بأخبار الآبار" أن لغتهم تغيرت نوعا ما بعد مخالطتهم للزوايا الناطقين يالصنهاجية، وأنها كانت أفصح قبل مخالطتهم لهم.. ونصوص العلماء في التصريح باختصاص بني حسان بهذه اللغة قبل أن يتعلمها منهم الآخرون كثيرة.

وقد جرى استدعاء اللهجة الحسانية وأصولها في أحد أقدم النقاشات الألسنية في هذه البلاد، وهو نقاش الجيم المتفشية والمعقودة في أواسط القرن الثاني عشر..
قال الشيخ محمد اليدالي (ت 1166هـ) في تقريظه لرسالة ابن أيّد الأمين الجكني في الجيم: "وقد علمت أن اللغة الحسانية هي قنطرة اهل هذا العهد إلى الفصحى، بل هي هي إلا أنها ملحونة، وفصيحهم لا يطاوعه لسانه بذلك الجيم (الجيم المعقودة القريبة من الدال) والفصاحة سليقة" (ابن البراء: المجموعة الكبرى ص 1113 من النسخة التي بصيغة pdf) فقوله: "وفصيحهم لا يطاوعه" الخ يعني حسان وهو صريح في أنهم هم أول من نطق بهذه اللغة في بلادنا.

وقال الشيخ محنض باب بن أعبيد في رسالته في الجيم: "والظاهر أن الجيم الحسانية (القريبة من الياء والشين) ان لم يشبها تفش هي الأصلية لأن لغتهم هي أقرب لغات اهل العصر إلى العربية" (المجموعة الكبرى ص: 1136).
وقال الشيخ محمد بن حنبل الحسني في رسالته في الجيم: "حدثني الصالح محمد بن بدر الدين الحسني أن محمد بن سعيد صاحب الذهب الإبريز ساله سائل وهو بقرية من قرى السودان عن أمر هذا الحرف، فقال: إلا أجيبك إلا ان تاتيني ليلة الجمعة، فلما كانت ليلة الجمعة أتاه فأخذ بيده إلى جماعة من حسان فدعا أكبرهم - واسمه هدي- فساله عن الجمعة ما هي؟ فسماها باسمها عندهم الآن فكرر عليه السؤال، فأجابه بتكرير اسمها بالجيم مرتين، ثم أخذ بيده إلى جماعة من السودان، من اهل تلك الكورة، فدعا اكبر الجماعة فسأله عن الليلة ما هي؟ فأجابه باسمها بالجيم السودانية، فكرر عليه السؤال، وكرر الجواب باسمها كذلك. فقال للسائل: اذهب فناهيك جوابا لما سألت عنه، يعني العربية الفصيحة ما نطقت به حسان؛ لكون لغتهم هي عربية أصلا إلا أنه حصل فيها تغيير" (المجموعة الكبرى ص 1152)
وقال بعد ذلك: "ومما يشهد لكون الجيم الفصيحة هي المعروفة الآن في لغة حسان ما ذكره ااودغيري" إلى آخره.
وقال الشيخ حامد بن محمدن بن محنض باب الديماني: "ومما يشهد أيضا لجيم حسان موافقتها لجيم العرب في أمور منها: أنها في لغة حسان التي هي قريبة من العربية وملحونة منها، وقد وقعت مكان الياء في يعفور الذي هو في كلام العرب حمار الوحش(…) ومنها إبدال الجيم شينا ان لم يتحفظ عليها في نحو الرشد جيما او إبدالها بالجبم وقد سمعت من حسان من يقول: امرأة ناجز، يعني ناشز" (المجموعة الكبرى ص: 1203) ثم ذكر ان بعض الاقدمين أبدل الجيم زايا في بعض الكلمات للكنة كانت فيه وان بني حسان أبدلوها زايا في بعض الكلمات ثم قال: "والذوق السليم يشهد ان شاء الله تعلى ان الجيم التي أبدل منها أبو عطاء بلكنته الزاي في جرادة واخواتها، وفعل بها بنو حسان ذلك في السرج والجز إنما هي الجيم الحسانية، وأن السودانية إنما تبدل لسبق لسان او لكنة بالدال كما يقع كثيرا لمن لم يخالط العجم من العرب كبني دليم وامثالهم" (المصدر السابق نفس الصفحة) وكرر نحو ذلك في الصفحة التالية فذكر ان من لم يخالط العجم من بني حسان كبني دليم يبدل الجيم السودانية دالا…
ولسنا نلتزم صحة ما ذهب اليه من الاحتجاج للجيم الحسانية بموافقتها للغة بني حسان، فهو معارض بموافقة الجيم المعقودة للهجات أهل الخليج، واللهجات كلها عرضة للتغير مع الوقت، وإنما العبرة بما قاله سيبويه وغيره من أئمة اللغة في مخارج الحروف وصفاتها..
ووردت نسبة الحسانية لبني حسان في نوازل ونصوص عديدة يضيق المقام عن تتبعها، ويمكن الرجوع لنوازل القصري والشريف حمى الله والعمل المشكور وغيرها من كتب النوازل..

ودعوى بعض الإخوة أن الإضافة قد تقع لأدنى سبب مردودة بأن ذلك غير واقع في اللغات، فإذا قيل "لغة بني فلان" دل ذلك على اختصاصهم بها، كما إذا قيل "فلان بن فلان" فلا يشك أن الإضافة هنا تقتضي النسب..

وهل سمعتم في التاريخ بلغة نسبت إلى قوم اعتباطا من غير أن يكونوا أهلها السابقين إلى النطق بها؟

كما أن دعوى البعض أن الحسانية تشكلت من روافد مختلفة لا تنفي نسبتها لبني حسان، فإنما تشكلت وتطورت على أيديهم أولا ثم على أيدي الناطقين بها من غيرهم فيما بعد، واللغة بناء تراكمي اجتماعي معقد..
ولا يعني هذا تنقيصا من جهود المرابطين، كما يتوهم بعض الاخوة، فهم الذين نشروا الإسلام والعربية والمذهب السني في المنطقة الصحراوية والسودانية وحملوا راية الدفاع عن الإسلام والسنة في الأندلس والمغرب، ولولا جهودهم في نشر الإسلام والعربية لما تعربت بلادنا بسرعة.. وأحفاد المرابطين هم الذين نشروا الإسلام في غرب إفريقيا وعلى أيديهم أسلم ملوك مالي وغيرهم، وهم حملة لواء العلم والسنة والنسك والدعوة الإسلامية في هذا الصفع الإفريقي إلى اليوم بارك الله فيهم.. وشأن أهل الفضل الإقرار لكل ذي فضل بفضله كم قيل: "إنما يعرف الفضل من الناس ذووه!".

الأحدث