تخطى الى المحتوى

السنغال بين سلطة الدستور وصراع السياسة... هل دخل تحالف ديوماي فاي وسونكو مرحلة اللاعودة؟

أحمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

لم يكن قرار المجلس الدستوري السنغالي القاضي بإبطال التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان مجرد حكم قانوني ينهي جدلاً حول نصوص دستورية، بل بدا أقرب إلى لحظة سياسية فارقة تكشف أن الخلاف داخل هرم السلطة في السنغال لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، وإنما أصبح صراعاً حول طبيعة السلطة نفسها، ومن يملك حق رسم مستقبل الدولة.

فعندما أحال الرئيس بصيرو ديوماي فاي التعديلات إلى المجلس الدستوري، كان يدرك أن الأمر يتجاوز النقاش القانوني. فقد حملت الخطوة رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشرعية الانتخابية، مهما كانت قوية، لا تعلو على الدستور، وأن المؤسسات تبقى المرجع الأخير عندما تتعارض الإرادات السياسية.

وما انتهى إليه المجلس الدستوري يعزز هذا المعنى. فهو لم يرفض الإصلاحات لأنها تمس صلاحيات رئيس الجمهورية أو لأنها تنشئ مؤسسات جديدة، بل لأنه رأى أن البرلمان تجاوز حدود اختصاصه عندما اقترح تعديلات تترتب عليها أعباء مالية إضافية دون تحديد مصادر تمويلها، وهو ما يتعارض مع نص دستوري صريح.

غير أن القراءة القانونية وحدها لا تكفي لفهم أبعاد القرار. فالمشهد السنغالي يعيش منذ أشهر تحولاً عميقاً في العلاقة بين الرئيس بصيرو ديوماي فاي وحليفه السابق عثمان سونكو، الرجل الذي كان مهندس المشروع السياسي الذي أوصل السلطة الحالية إلى الحكم

لقد أثبتت التجارب السياسية أن التحالفات التي تنجح في إسقاط الأنظمة ليست بالضرورة قادرة على إدارة الدولة بالانسجام نفسه. فالمعارضة توحدها الشعارات، أما الحكم فتفرضه حسابات المؤسسات، وتوازنات السلطة، ومتطلبات إدارة الدولة. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في السنغال.

التعديلات الدستورية التي صادق عليها البرلمان لم تكن مجرد إصلاحات تقنية، بل حملت في مضمونها تصوراً جديداً لتوزيع السلطة داخل الدولة. 

فمن إنشاء محكمة دستورية وهيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، إلى تقليص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية ومنع الوزراء من الجمع بين مناصبهم الحكومية والمسؤوليات التنفيذية المحلية، يتضح أن الأمر يتعلق بإعادة رسم هندسة النظام السياسي أكثر من كونه تعديلات قانونية عابرة.

ومن هنا، يصبح مفهوماً لماذا اختار الرئيس اللجوء إلى المجلس الدستوري. فهو لا يدافع فقط عن صلاحيات مؤسسة الرئاسة، بل يسعى أيضاً إلى تثبيت مبدأ أن أي إصلاح، مهما كانت وجاهته، يجب أن يمر عبر القنوات الدستورية السليمة.

وفي المقابل، يرى أنصار حزب "باستيف" أن الأغلبية البرلمانية التي منحها الناخبون للحزب تخوله تنفيذ برنامجه الإصلاحي دون عراقيل سياسية. 

وبين هذين المنطقين، تقف المؤسسات الدستورية باعتبارها الضامن لاستمرار التوازن بين السلطات.

لا يمكن فصل هذه التطورات عن إعلان الرئيس نيته تأسيس حزب سياسي جديد، وهي خطوة تحمل دلالات تتجاوز بعدها التنظيمي.

فهي توحي بأن ديوماي فاي يسعى إلى بناء مشروع سياسي مستقل، يمنحه هامشاً أوسع في اتخاذ القرار بعيداً عن النفوذ الحزبي الذي مثله عثمان سونكو خلال السنوات الماضية.

وهذا التطور يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زال التحالف الذي قاد المعارضة إلى السلطة قادراً على الاستمرار؟ أم أن السنغال بدأت بالفعل تشهد انتقالاً من مرحلة "الثنائية السياسية" إلى مرحلة التنافس بين مشروعين خرجا من رحم التجربة نفسها؟

في كل الأحوال، يبدو أن قرار المجلس الدستوري لن يكون نهاية الأزمة، بل بداية فصل جديد منها. 

فالبرلمان يستطيع من الناحية القانونية إعادة صياغة التعديلات بما ينسجم مع أحكام الدستور، لكن التحدي الحقيقي سيبقى سياسياً، لأن جوهر الخلاف لم يعد متعلقاً بالنصوص، بل بتحديد من يقود المرحلة المقبلة، ومن يمتلك زمام المبادرة داخل السلطة.

ورغم حدة التجاذبات، تكشف هذه الأزمة عن جانب مضيء في التجربة السنغالية، يتمثل في قوة المؤسسات الدستورية وقدرتها على أداء دورها بعيداً عن منطق الاصطفاف السياسي.

وهذا ما يمنح الديمقراطية السنغالية قدراً من التماسك في لحظة تبدو فيها المنطقة بأسرها مثقلة بالأزمات والانقلابات

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح الرئيس بصيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو في احتواء خلافاتهما وإعادة بناء الثقة بينهما، أم أن ما نشهده اليوم ليس سوى بداية إعادة تشكيل المشهد السياسي السنغالي؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل العلاقة بين الرجلين فحسب، بل قد ترسم أيضاً ملامح المرحلة السياسية المقبلة في السنغال، وتكشف ما إذا كانت تجربة التغيير ستواصل مسارها بروح الشراكة، أم ستدخل مرحلة جديدة عنوانها التنافس على قيادة الدولة.

الأحدث