تخطى الى المحتوى

بين البرلمان والقضاء والسياسة.. قضية نواب حزب الصواب واختبار دولة المؤسسات

محمد ولد اسلامه

جدول المحتويات

ليست كل الأزمات السياسية تُقاس بحجم أطرافها، بل بما تكشفه من أسئلة عميقة حول طبيعة الدولة، وقوة مؤسساتها، وطريقة إدارة الخلافات داخل النظام السياسي. فقضية النائبتين مريم منت الشيخ وقامو عاشور تجاوزت، في نظر كثيرين، حدود الخلاف الشخصي أو الإجرائي، لتتحول إلى نقاش عام حول مكانة البرلمان، ودور القضاء، وحدود الاختصاص بين المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة في موريتانيا.

 

ويرى بعض المتابعين أن جذور الأزمة لا ترتبط فقط بالمسار القضائي الذي وصلت إليه، بل تعود أيضًا إلى طبيعة الخطاب السياسي الذي تبنته النائبتان خلال الفترة السابقة. فقد اعتبر جزء من الرأي العام وبعض الفاعلين السياسيين أن خطاب النائبتين اتسم بحدة غير مألوفة، وأنه تجاوز أحيانًا أسلوب النقد السياسي التقليدي، بينما يرى أنصار هذا الخطاب أن العمل البرلماني المعارض يفرض أحيانًا رفع سقف التعبير، وأن قوة المعارضة لا يمكن أن تكون فاعلة دون وضوح وصراحة في طرح المواقف.

 

وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الأساسية في أي نظام ديمقراطي: كيف يمكن التوفيق بين حق المنتخب في التعبير عن مواقفه بحرية، وبين مسؤولية الحفاظ على خطاب سياسي يحترم المؤسسات ويمنع تحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة؟

 

بعد ذلك أخذت القضية مسارًا قضائيًا انتهى إلى صدور أحكام بالسجن، قبل أن يأتي العفو الرئاسي لينهي الجانب المتعلق بالعقوبة السجنية. غير أن العفو لم يغلق الملف، لأن النقاش انتقل إلى مسألة أكثر تعقيدًا تتعلق بالآثار السياسية والقانونية للحكم، ومدى تأثيرها على الوضعية النيابية للنائبتين.

 

ومع تأكيد المجلس الدستوري استمرار صفتهما النيابية، مع بقاء الحكم قابلًا للطعن، ازدادت حساسية الملف، خاصة أن الأمر يتعلق بشخصيتين وصلتا إلى البرلمان عبر إرادة الناخبين. فالمؤسسات الديمقراطية لا تقوم فقط على تطبيق القانون، بل تقوم كذلك على احترام التوازن بين الشرعيات المختلفة: الشرعية الانتخابية التي يمنحها الشعب، والشرعية القضائية التي تصدر عن المحاكم، والشرعية الدستورية التي تضبط العلاقة بين المؤسسات.

 

غير أن الأزمة تجاوزت الجانب القانوني لتدخل مرحلة جديدة من التجاذب السياسي، خاصة بعد تدخل رئيس حركة إيرا بيرام الداه اعبيد ومرافقته للنائبتين إلى مبنى البرلمان، حيث اعتصمتا احتجاجًا على منعهما من ممارسة مهامهما البرلمانية، قبل أن يؤدي تصاعد التوتر إلى تعليق جلسات البرلمان.

 

وقبل ذلك، شهدت الأزمة تطورًا ميدانيًا عندما حاولت النائبتان دخول مبنى البرلمان، إلا أنهما واجهتا منعًا عند البوابة من طرف الحرس. وعلى إثر ذلك، احتجتا أمام المدخل، قبل أن تتطور الأمور إلى قيام الحرس بسحب السيارة التي كانتا تستقلانها. وفي خضم هذا التوتر، تمكنتا لاحقًا من الدخول إلى مبنى البرلمان عبر سيارة أخرى، حيث قام رئيس حركة إيرا بيرام الداه اعبيد بإيصالهما داخل سيارته الشخصية.

 

وقد أضاف هذا المشهد بُعدًا جديدًا للأزمة، لأنه نقل الخلاف من مستوى المواقف السياسية والقانونية إلى مواجهة مباشرة داخل محيط المؤسسة التشريعية، مما زاد من حدة النقاش حول كيفية إدارة الخلافات بين المؤسسات، وحدود الإجراءات الأمنية في التعامل مع نواب منتخبين.

 

وفي خضم هذا الشد والجذب، ظهر بُعد سياسي جديد يتعلق بمستقبل المقعدين البرلمانيين في حال خروج النائبتين من البرلمان. فقد اعتبر بعض المتابعين أن السلطة تسعى إلى إنهاء وجودهما داخل المؤسسة التشريعية، بينما يرى معسكر بيرام أن القضية تتجاوز شخص النائبتين، لتتعلق بموقع سياسي وتمثيل انتخابي.

 

وفي هذا السياق، جاء المؤتمر الصحفي الذي عقده بيرام مع الشخصيات المرشحة لخلافة النائبتين في حال شغور المقعدين، ليضيف عنصرًا جديدًا إلى الأزمة. فقد حمل هذا الظهور رسالة سياسية مفادها أن خروج نائبين لن يعني نهاية الحضور السياسي، وأن البدائل قد تكون أكثر حدة في الخطاب وأكثر قوة في مواجهة النظام.

 

وقد أثار هذا الموقف نقاشًا واسعًا؛ فهناك من رأى فيه رسالة ضغط سياسية تهدف إلى التأكيد على استمرار حضور المعارضة داخل المشهد، بينما رأى آخرون أن تصعيد الخطاب إلى هذا المستوى قد يزيد من حدة الاستقطاب ويجعل الوصول إلى حلول توافقية أكثر صعوبة.

 

إن جوهر القضية اليوم لا يتعلق فقط بمريم منت الشيخ وقامو عاشور، بل يتعلق بقدرة النظام السياسي الموريتاني على إدارة الخلافات الكبرى دون تحويلها إلى صراع مفتوح بين السلطة والمعارضة. فالديمقراطية لا تُختبر في لحظات الاستقرار، وإنما في لحظات الأزمة، عندما تحتاج المؤسسات إلى الحكمة وضبط النفس واحترام القواعد.

 

إن احترام القضاء لا يعني إلغاء دور البرلمان، واحترام الإرادة الشعبية لا يعني تجاوز القانون، كما أن قوة المعارضة لا تُقاس فقط بحدة خطابها، وإنما بقدرتها على التأثير، وبناء الثقة، وتقديم البدائل.

 

لقد كشفت هذه القضية أن التحدي الأكبر أمام أي نظام سياسي ليس غياب الخلافات، بل كيفية إدارتها. فالمؤسسات القوية هي التي تستطيع احتواء الأزمات، والحفاظ على هيبتها، ومنع تحول الصراع السياسي إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع.

 

وستبقى هذه القضية محطة مهمة في النقاش السياسي الموريتاني، ليس فقط بسبب تفاصيلها، وإنما لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن بناء دولة مؤسسات يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون فيها الخلافات السياسية فرصة لتعزيز الديمقراطية لا تهديدًا لها؟

 

فالمؤسسات أقوى من الأشخاص، والدولة لا تُبنى بانتصار طرف على آخر، وإنما بقدرة الجميع على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية، وجعل الخلاف السياسي وسيلة للتطوير لا سببًا للانقسام.

الأحدث