جدول المحتويات
"مرحبا، هل عرفتني ؟ .. أنا هرمز.
تعرفني كمضيق، لكن هذا لا يهمك، ما يهمك أكثر هو أنني أمد يدي في جيبك لآخذ مبلغا إضافيا في كل مرة تقف عند محطة الوقود أو تتسوق في المتجر".
"جاء أول ذكر لهرمز في التاريخ في تقرير البحار نيارخوس، قائد أسطول الإسكندر المقدوني إلى بابل، ثم ظهر هرمز ثانية في جغرافية بطليموس حيث وصفه بأنه مركز لتجارة النيلة التي ُتستخدم في صباغة الأقمشة. وتحت حكم السلاجقة أصبح هرمز نقطة عالمية، تختلط فيها الألسن، وتتقاطع فيها الطرق وتمخرها سفن التجارة." انتهى الاقتباس من مقال للجزيرة نت بتصرف.
أبرزت الأزمة هشاشة النظام الطاقوي العالمي القائم على الوقود الأحفوري، وكشفت حجمَ الاعتماد الدولي على مصادر طاقة تتحكم فيها مخاطر جيوسياسية كبرى، وأدى تعطل ممر هرمز الحيوي إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع في الأسعار.
وسأقدم في هذا المقال ما يساعد في نعت البدايات وتوصيف النهايات للتحول الذي أَظَلَّنا زمانُه وسأبرز أهم إسقاطاته بالنسبة لموريتانيا.
إن ملامح التحول الكبير، بين بداياته الخفية ونهاياته المتشكلة، تشبه ما حفلت به كتب النبوءات وأدبيات التحولات الكبرى في تراث الأمم؛ حين كانت الممرات البحرية تُقرأ كعلامات قدر، وتُستشف منها خرائط القوة المقبلة وأفول المراكز القديمة.
ومن مضيق هرمز، بما يحمله من رمزية تاريخية وجيوسياسية، سأنتقل بكم إلى استجلاء أبرز إسقاطات هذا التحول على موريتانيا، بوصفها فضاءً أطلسيًا صاعدًا في زمن إعادة رسم خرائط الطاقة والنفوذ.
فحسب رأيي المتواضع، لا يجب أن نقرأ هذه الأزمة كاختلال ظرفي فقط، بل كمؤشر على الضعف البنيوي في النموذج الطاقوي العالمي، حيث أصبحت تبعية الدول لِواردات النفط والغاز تصنف "كنقطة هشاشة" استراتيجية تتفاقم مع تزايد الاعتماد على النفط الاحفوري القادم من تلك المنطقة دون المبادرة إلى تنويع فعلي في مصادر الطاقة.
وتجد هذه القراءة صداها في ورقات واصدارات معاهد البحوث ومراكز الفكر التي ترصد توجهات الطاقة في مناطق أوروبا وآسيا ودول افريقيا غير المنتجة للنفط.
ولإبراز ذلك، يؤكد الكاتب والخبير في شؤون الطاقة فرانسوا جامنFrançois Gemenne في كتاب له صدر 2026 أن اعتماد العالم، وخاصة أوروبا، على النفط والغاز يشكّل نقطة ضعف جيوسياسية خطيرة مؤكداً أن الأزمات الدولية، مثل التوترات في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، كشفت سريعاً هشاشة الدول المستوردة للطاقة الأحفورية، وأرجع ذلك إلى أن أي اضطراب في الإمدادات يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الوقود والتضخم واضطراب الأسواق.
وأشار إلى أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز، ما يجعل سيادتها الاقتصادية والسياسية مرتبطة بمناطق غير مستقرة جيوسياسياً. ويرى "جامن" أن هذه التبعية لا تؤثر فقط على الطاقة، بل تمتد إلى الزراعة والصناعة والنقل والقدرة الشرائية للأسر. ماذا نقول بالنسبة لموريتانيا؟
كما انتقد الكاتب استمرار الدعم الحكومي للوقود الأحفوري، معتبرا أن ذلك يؤخر الانتقال نحو الطاقات المتجددة ويستهلك أموالاً عمومية كان يمكن توجيهها للاستثمار في حلول مستدامة مثل محطات الطاقة الشمسية والهوائية.
ومع تركز كل من مكامن المحروقات ومنشآت التكرير وممرات ناقلات النفط في مجال جغرافي مغلق بمضيق يصل عرضه بالكاد 30 كلم، تتفاقم المخاطر وتتعرض الاستثمارات لأكبر المخاطر عند أول أزمة.
وفي هذا السياق، يبزغ نجم مناطق مثل موريتانيا، التي توجد على الطرف الآخر من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كبديل استراتيجي طاقوي يطرح نفسه بموضوعية وهدوء وثبات. فهي تتمتع بموقع جغرافي بعيد عن بؤر التوتر، قريب من الأسواق الدولية وخاصة أوروبا، مع إطلالة عريضة على المحيط الأطلسي وانفتاح جغرافي آمن، فضلاً عن استقرار سياسي راسخ يعزز ثقة الشركاء.
وفي الوقت ذاته، تمتلك إمكانات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال في حقول بيراللّ (80 ترليون قدم مكعب) والسلحفاة آحميم الكبير (20 ترليون قدم مكعب) وحقل باندا وطاقات الشمس والرياح (4000 جيغاوات) ومشاريع الهيدروجين، ما يجعلها مؤهلة لتكون إحدى المراكز المستقبلية لإنتاج الغاز المسال والطاقة النظيفة على مستوى العالم.
إن هذه المقومات تضع موريتانيا في موقع يسمح لها بدعم وتسريع التحول العالمي الجاري، حيث لم تعد الطاقات المتجددة خياراً بيئياً فحسب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الطاقوي للدول. وعند فهمنا لهذه النقطة الأخيرة نكون قد وَقفنا على أكبر معالم التحول ومَسَكْنا بالعنصر الرئيسي الذي سيغير اللعبة The game changer.
وهنا، تقدم موريتانيا نموذجا جديداً قائماً على إنتاج طاقة نظيفة ووفيرة من الغاز والطاقات المتجددة، موجهة للتصدير عبر مسارات آمنة ومحيطات مفتوحة بعيداً عن الاختناقات الجيوسياسية والمضايق والنزاعات المسلحة.
إن أزمة هرمز لا تمثل مجرد اضطراب مؤقت، بل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، وتفتح المجال أمام بزوغ أقطاب جديدة بفضاءات آمنة ذات بيئة مواتية لتطوير مشاريع تمتد لعقود مع يقين عال ومخاطر أقل.
لذلك، واعتمادا على ما سبق وأخذا بعين الاعتبار لتلك المؤشرات، تتيح موريتانيا بمواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وانفتاحها على الاستثمار الدولي واستقرارها السياسي وشراكاتها القوية، إمكانية خلق عناصر قوة جديدة في عالم يبحث عن بدائل تكون مستقرة وآمنة ضمن فضاءات جيوسياسية مفتوحة.
ويبقى الدرس العظيم المستخلص من الأزمة الحالية هو أن الطاقات المتجددة لم تعد خياراً بيئياً فقط، بل أصبحت ضرورة استراتيجية للأمن الطاقوي وعنصرا هاما في تعزيز الصمودية أمام أزمات الطاقة.
أحمد فال محمدن