تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - [email protected]

جدول المحتويات

الإسلام دين مرن للغاية، وليست مرونته بقدرة أحكامه على التكيف بحسب المكان والزمان فحسب، بل حتى في رفقه بأحوال المكلفين قوة وضعفا. ولذلك راعى الفقهاء المسؤولية التي تقع على من يسكن ديار الإسلام وديار الكفر في باب المعلوم من الدين بالضرورة وغيره ورتبوا على ذلك أحكاما قضائية توافق كل دار. قرأت هذا المساء تذكرة لرجل فاضل فينا، يدعو فيها المجتمع الجزائري إلى مراعاة التناسق بين الفضاء الخاص الداخلي والفضاء العام الخارجي في بعده الجمالي، تمثلا لتعاليم الإسلام التي تندب المسلمين إلى ذلك.

 

وسوف أتجاوز مضمون التذكرة لأن فحواها حق لا لبس فيه، لأناقش باقتضاب بعدا آخر قد يجعل من هذا النوع من النصح غير ذي بال، ومعركة تبدد فيه الجهود بلا طائل. والعلة في ذلك، أن المنصوح غير مهيأ لتقبل المنصوح به - أي العناية بالمحيط ليتقبل الحياة المتحضرة والسياحة - لكونه لا يزال في غيبوبة عن الوعي بوظيفته الوجودية وهي العبودية لله عز وجل كما يلزم.

 

في قصة إسلام عدي بن حاتم الطائي (رضي لله عنه) حين جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو في المدينة المنورة، إشارة من المصطفى إلى مستقبل الإسلام وعزته ورفاه أهله في الأرض، ذكرها ليأخذ بيد ضيفه إلى الأهم من ذلك حينما قال له: "لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم".

 

إنه لما نتأمل هذه المحاورة الرائعة نرى عدي بن حاتم رجلا مثقلا بكلفة الحياة التي رآها عند ملوك فرس والروم، كما نرى في موقف النبي الحبيب حكمة بالغة حينما استقبله برحابة صدر وراح يضع عنه الأثقال الحضارية التي حالت دون نظره إلى جوهر الحقيقة وهو الدخول في الإسلام، وموقفه النبيل أيضا في الدفاع عن أمته والشفقة عليها وهي في حال بعيدة عما كان يقيس به عدي وعما وعدها به المصطفى من خيرات في المستقبل.

 

هنالك أناس في بلادنا مندفعون بقوة لإحياء أراض موات، يزدرعونها بكل ما تخرج الأرض للناس من ثمرات، حتى لتخال وأنت في حقولهم أنك لست في الجزائر، ولكن سبل الإحياء التي يتخذونها محرمة في الشريعة، ومحمية من السلطة الوصية في الآن ذاته.

 

الاجتزاء والتأويل وتتبع السياق الذي يريده صاحبه بحث علمي قائم بذاته، لأنه يصحح المفاهيم المغلوطة عن العلماء، وهذا باب عده الإمام السيوطي (رحمه الله) من أبواب التأليف. ولكن قد يحدث أن يبحث شخص ما عن مخارج لمن يشايعه رغبة منه في تبرئته أو في تحسين صورته لدى الناس، ومن وراء ذلك مقاصد أخرى يرومها كنشر فكرة أو طعن في مذهب أو بث فتنة.

 

يحسن بالباحث أن يواجه قضايا مجتمعه المعاصرة، خاصة تلك التي تفسد عليه دينه وسلامة قلبه. ولأضرب مثلا بالمدخلية، التي تدعي نسبها إلى حركة محمد عبد الوهاب، ومنهجه السني، وقلما يذكر انتماؤه الحنبلي. فيأتي هؤلاء بنصوص مجتزأة، ليست من كلام العلماء بل من كلام المصطفى (صلى الله عليه وسلم) نفسه، لينشروا رأيا في الدين ضعيفا أو متروكا أو مرجوحا، فيخادعون الناس بنص حديثي مجتزئ عن سياقه وسباقه، وليست النوايا نصرة السنة كما يدعون وإنما هي فتنة، ومن ورائهم أيد خفية، وقد تبعهم في ذلك خلق من العوام لا يفقهون. كقصة هذا المصلي الغليظ.

 

لم تعد الصلاة تؤدى في المساجد بلا منغصات، لقد وجدت الصلاة راحة المسلم من تعب الحياة الدنيا، ويا لها من راحة روحية ونفسية وجسدية تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. تأتي المنغصات من فئات وكأنها تؤم المساجد لاستعراض تدين لا يتجاوز هيئات مغلوطة للصلاة ولباسا يرتدونه علامة على جماعة معينة لها شارات تفرقها عن عموم الأمة. جماعة لا تخفي ولاءها لأناس نصبوا أنفسهم دعاة إلى تدين يصادم ما عهدته الأمة من شرعها الحنيف خلال قرون. أناس أصبحوا معروفين على منصات التواصل الاجتماعي من داخل البلاد وخارجها. وليست بعض دول الخليج والكيان الصهيوني عنهم ببعيد.

 

ولقد حضرت صلاة العصر في مسجد جامع في أحد الأيام، وكنت جالسا في الصف الثاني من جهة اليسار أنتظر الأذان، وكان أمامي ثلاثة رجال من كبار أهل المدينة، يعرف عنهم التدين والتبرع والحكمة الرأي، قد اتخذوا الناحية الشمالية مكانا دائما يؤدون فيه الصلوات؛ أحدهم كان يصلي على كرسي، والثاني كان متكئا على الحائط يسبح الله، وثالث قد بسط سجادته بالقرب من سجادة صاحبه واتكأ هو الآخر على الحائط دقائق ريثما تقام الصلاة. ولم تمر سوى لحظات بعد الأذان، حتى قدم شاب عشريني يتوشح حقيبة خفيفة، فتخطى الصفوف من دون أن يتحرج، ورمى بحقيبته في الخزانة الأمامية للمسجد وتوجه إلى تلك الفرجة التي تركها ذلك الرجل لنفسه في الوسط بين صاحبيه، ووقف فيها وأدخل رجله اليسرى أسفل تلك السجادة ورمى بها جانبا. فنبهه صاحبها بأنها له وقد تركها مبسوطة إلى حين يسمع الإقامة فيقوم، يأتي بها لعلمه باتساخ سجاد المسجد لطول ما أهمل تنظيفه خاصة في مواضع السجود.

 

لم يرع ذلك الشاب الغليظ تنبيه الناس له بأن هذا السلوك لا يليق، وكبر على عجل ليصلي تحية المسجد بوقوف لا يخلو من تكلف، قد غير فيه هيئة الصلاة الحسنة إلى أخرى يلوح عليها النشاز. ولما قام الناس لأداء الصلاة وقف هذا الشاب متشاركا السجادة مع صاحبها مما دفع المصلي على كرسيه ليتزحزح قليلا ليفسح في المكان، فما كان من هذا الغليظ إلا أن نادى على أحد يشبهه من خلف الصف الأول ليتقدم كي يسد الفرجة، وصلى الخمسة كلهم في مكان لا يتسع لأكثر من ثلاثة. ولما سلم الإمام تسليمة التحلل من الصلاة، سرعان ما وقف ذلك المصلي المزعج وتوشح حقيبة واخترق الصفوف مغادرا المسجد وهو يحدق في من حوله من دون أن يؤدي سنة الأذكار عقب الصلاة المكتوبة!

 

لا أظن بأن تعزيز النظرة إلى أصول أوغسطين "الجزائرية" يفيد أمتنا المحمدية في مفاحمة الذي يدعي التفوق، وتبليغه ولو بآية عن صاحب الرسالة الخاتمة أفضل للجميع. أوغسطينوس عمق الضلال في رسالة السيد المسيح، ولو كان عليه السلام حيا لتبرأ منه. إننا نصبح كمن يحاجج القوميين العرب الذي حكموا بلادنا بالضلال حينما نذكر لهم إنجازات "أبي الحكم"، أو كمن يفاخر من هم وراء البحار بأنهم كانوا يشربون نبيذا جيدا غرست كرومه في متيجة. ربما كان الأفضل استدعاء التاريخ العلمي للأمة وسيادتها على البحر المتوسط، ولقد نقل "بونابرت" إلى قومه من كتب المالكية ما ساهم في صياغة قانونه المدني، شروح العلامة خليل وكتابات محمد أبوراس المعسكري لها وجود في تلافيف ذلك القانون الذي يعد مفخرة الحضارة الغربية.

 

تلكم الحضارة التي ادعت الاكتشافات والأولية في أمور كثير منها كان سرقات علمية. إننا لم نبق في الصفر لما صدر هذا الفتح العلمي العجيب إلى روما كي تحل مشكلة أرقامها الطويلة، لقد كنا يومها وبعدها سادة بفضل ما عندما من علم ورثناه من النبوة، وحتى مطلع الاستعمار كنا أفضل حالا من المحتل، ولم يرحل من عندنا عسكريا حتى أتى على الأخضر واليابس، فمن سبب تخلفنا؟

 

التعاقد على القانون فكرة ليست صالحة لمجتمعنا، نظرية العقد الاجتماعي في النظم السياسية طرحت في مجتمع لا صلة له بالسماء، أما نحن فالقانون مستمد من الوحي ولا خيار لنا في التعاقد على غيره إن تعاقدنا جدلا. إن الحكم إلا لله، وإن اختلفنا في شيء نرده إلى الله والرسول، وحتى المجتهدين لا يملكون خيار الخروج من ذلكم السبيل فيما يستجد من نوازل في كل عصر، فلنسم الأشياء بمسمياتها أدعى لطي الطريق.

 

لازمة بناء الإنسان تجعلنا نراوح مكاننا، ونشرع الأبواب لكل من لديه تأثير ليفسد فينا. إنه خير من ذلكم التبشير بالإسلام في بعده السامي لنذكر المسلم في هذه البلاد بهويته الصحيحة فيعيد ترتيب أولوياته؛ فمكونات الأمة الجزائرية لا تزال تنبض بالحياة رغم السنين العجاف، لو أنها تتعهدها بالصيانة والعمل.

الأحدث