جدول المحتويات
أعلنت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (الهابا) إطلاق مسح وطني شامل للمشهد الإعلامي الموريتاني، في خطوة تبدو في ظاهرها إجراءً تقنيًا وإداريًا يهدف إلى جمع البيانات وتحديث المعطيات المتعلقة بقطاع الإعلام. غير أن التمعّن في طبيعة هذه الخطوة والأهداف المعلنة لها يكشف أبعادًا أوسع من مجرد عملية إحصائية، ويطرح أسئلة مرتبطة بمستقبل تنظيم الحقل الإعلامي وحدود العلاقة بين الدولة والفاعلين في القطاع.
يشهد الإعلام الموريتاني خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، خصوصًا مع توسع الفضاء الرقمي وظهور منصات جديدة وتزايد أعداد الفاعلين الإعلاميين. هذا التحول أتاح مساحة أوسع للتعبير وتعددًا أكبر في مصادر المعلومات، لكنه في الوقت نفسه أفرز تحديات لم تكن مطروحة بنفس الحدة سابقًا، تتعلق بالمهنية والتنظيم وتحديد هوية الفاعل الإعلامي نفسه.
ومن الصعب تجاهل ما يصفه بعض المتابعين بحالة «تمييع الحقل الصحفي»، نتيجة اتساع دائرة ممارسة العمل الإعلامي خارج الأطر المهنية التقليدية. فقد جعلت البيئة الرقمية عملية إنتاج المحتوى ونشره متاحة للجميع تقريبًا، وهو تطور حمل جوانب إيجابية تتعلق بالانفتاح وتعدد الأصوات، لكنه فتح أيضًا نقاشًا واسعًا حول الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي المهني والمحتوى المفتوح.
وربما أصبح السؤال المطروح اليوم ليس من يملك حق ممارسة الإعلام، بل كيف يمكن الحفاظ على المعايير المهنية في فضاء مفتوح ومتغير باستمرار.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز كذلك موضوع الإعلام المتخصص باعتباره أحد المؤشرات المرتبطة بنضج التجربة الإعلامية. فمع تشعب الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والعلمية، باتت الحاجة أكبر إلى مؤسسات ومنصات تمتلك خبرة ومعرفة في مجالات محددة. ويبدو أن الإعلام المتخصص لم يعد ترفًا مهنيًا، بل أصبح جزءًا من متطلبات التطور الطبيعي للمشهد الإعلامي.
في هذا الإطار يمكن فهم خطوة الهابا باعتبارها محاولة لبناء صورة أكثر دقة عن واقع القطاع، اعتمادًا على قاعدة بيانات شاملة تسمح بفهم حجم المشهد الإعلامي وطبيعته. ومن الناحية المؤسسية، تبدو مثل هذه الإجراءات منسجمة مع توجهات أصبحت شائعة في تجارب عديدة تعتمد على الإحصاء والمعطيات الدقيقة لصياغة السياسات العمومية.
لكن اللافت أن أهمية الإعلان لا تتوقف عند المسح نفسه، بل تمتد إلى ما بعده. فقد تحدثت الهابا عن إعداد مشروع معايير للتصنيف المهني لوسائل الإعلام، وهي نقطة تمنح الخطوة بعدًا استراتيجيًا يتجاوز جمع المعلومات إلى إمكانية إعادة ترتيب المجال الإعلامي وفق أسس جديدة.
قد يرى البعض في التصنيف المهني فرصة لرفع مستوى الاحتراف والتمييز بين المؤسسات النشطة وتلك التي تعمل بصورة غير منتظمة. لكن أي مشروع من هذا النوع يفتح بطبيعة الحال أسئلة قد يختلف حولها المهنيون، خصوصًا فيما يتعلق بطبيعة المعايير والجهات التي ستضعها.
وهنا تبرز أهمية إشراك الإعلاميين والمهنيين في صياغة هذه المعايير. فالتجارب المقارنة تشير غالبًا إلى أن الإصلاحات الأكثر قابلية للاستمرار هي تلك التي تُبنى على مقاربات تشاركية، لا على تصورات أحادية. كما أن إشراك الفاعلين في وضع القواعد يمنحها شرعية أكبر ويعزز فرص نجاحها.
وفي السياق نفسه، يبرز لدى بعض المهتمين طرح يتعلق بضرورة التفكير في إنشاء مجلس أعلى للإعلام، كإطار جامع يضم مختلف الفاعلين من هيئات تنظيمية ومهنيين ومؤسسات إعلامية. ويستند هذا التصور إلى فكرة مفادها أن التحولات الجارية أصبحت تتطلب فضاءات دائمة للحوار والتشاور بدل الاكتفاء بالمعالجات الظرفية.
كما يظل التمويل عنصرًا حاضرًا في أي نقاش حول إصلاح البيئة الإعلامية. ويرى بعض المتابعين أن تطوير شروط أكثر صرامة للاستفادة من التمويل أو الدعم العمومي قد يسهم في تشجيع المهنية والحد من المؤسسات غير الفاعلة. لكن التحدي الحقيقي يبقى في ضمان أن تكون هذه المعايير واضحة وشفافة ومطبقة على الجميع دون استثناء.
وهنا تظهر نقطة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات الإعلامية. ففي تجارب عديدة، شكل مبدأ الوقوف على مسافة واحدة من الجميع عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة. فكلما كانت قواعد التعامل أكثر وضوحًا وحيادًا، ازدادت فرص بناء بيئة إعلامية أكثر توازنًا.
اللافت أيضًا أن هذه الخطوة لا تبدو معزولة عن تحولات أوسع تشهدها المنطقة والعالم، حيث تتجه دول عديدة نحو إعادة تنظيم المجال الإعلامي، خاصة في ظل التأثير المتزايد للإعلام الرقمي.
التوصيات والتحديات
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحاجة قائمة إلى مقاربة متوازنة تجمع بين ضرورات التنظيم والحفاظ على التعددية والاستقلالية. ومن أبرز التوصيات اعتماد مقاربة تشاركية في صياغة المعايير، وتشجيع الإعلام المتخصص، والاستثمار في التكوين المستمر، إضافة إلى تعزيز الشفافية في معايير التمويل.
أما التحديات، فتتمثل أساسًا في تحقيق توازن دقيق بين التنظيم وحرية التعبير، والحفاظ على المعايير المهنية في ظل الانفتاح الرقمي، وتجنب أي تصورات قد تربط الإصلاحات بالانتقائية أو غياب تكافؤ الفرص.
في المحصلة، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالمسح في حد ذاته، بل بما سيأتي بعده. ربما تكون هذه الخطوة فرصة لإعادة ترتيب المشهد الإعلامي على أسس أكثر وضوحًا، لكن نجاحها لن يقاس بحجم البيانات التي ستُجمع، بل بقدرة مختلف الأطراف على تحويلها إلى أرضية مشتركة للإصلاح. فالإعلام، في نهاية المطاف، لا يحتاج فقط إلى التنظيم، بل يحتاج أيضًا إلى الثقة والشراكة والشعور بأن الجميع جزء من عملية البناء.