تخطى الى المحتوى

موريتانيا.. وحدةُ الأرض والإنسان ورفضُ كلِّ مساعي التفكيك

محمد محمد المختار سيدي عبد الله

جدول المحتويات

إن موريتانيا ليست مجرد مساحةٍ على الخريطة، ولا رقعة جغرافية تتقاسمها الجغرافيا والحدود، بل هي كيانٌ تاريخيٌّ متجذر، صاغته القرونُ على مهل، ونسجت هويته تفاعلاتُ الإنسان والأرض والدين والثقافة، حتى غدت وحدةً صلبةً تتجاوز كل محاولات التشظي، وتعلو على كل دعوات التفريق.

 

هذه البلاد، في جوهرها العميق، ليست فسيفساء متناحرة، بل نسيج واحد متماسك، تتداخل فيه الألوان دون أن تتصارع، وتتنوع فيه المكونات دون أن تتنافر. فمن ينفذ إلى عمق المجتمع الموريتاني، بعيدا عن ضجيج الخطابات الموسمية، يدرك يقينا أننا شعبٌ واحد، وإن تعددت الألسن واللهجات والمرجعيات الثقافية، فإن الرابط الأعمق يظل أقوى من كل اختلاف، وهو رابط الدين والمصير والعيش المشترك.

 

إننا نصلي في مساجد واحدة، ونلتف حول قبلة واحدة، ونودّع موتانا في أرض واحدة، ونتقاسم الأفراح كما نتقاسم الأحزان، ونعيش في أسواق واحدة، ونتعلم في مؤسسات واحدة، ونواجه تحديات واحدة. فكيف بعد هذا كله يُراد لنا أن نصنف إلى طبقات متباعدة، أو أن يُنظر إلى بعضنا كأنه "آخر" داخل جسد واحد؟ إن ذلك لا يستقيم مع الواقع، ولا مع المنطق، ولا مع روح هذا الوطن.

 

لقد ظلت موريتانيا عبر تاريخها الحديث والقديم عصيّة على محاولات التفكيك الاجتماعي، رغم ما مرّ بها من تحولات سياسية وضغوط اقتصادية وتباينات اجتماعية. ذلك أن سرّ قوتها الحقيقي لم يكن يوما في السلطة وحدها، بل في ذلك النسيج الاجتماعي العميق الذي يرفض الانكسار، ويأبى أن يتحول إلى جزرٍ معزولة.

 

إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر ولا قلة الموارد، بل خطاب الفرقة حين يتسلل إلى العقول، ويُلبس لباس الحق، وهو في جوهره دعوة إلى التنافر والتصنيف. فحين تتحول السياسة إلى أداة لتصفية الحسابات الضيقة، أو يُستعمل الخطاب الحقوقي خارج سياقه الطبيعي، يصبح من الواجب أن يُردّ إلى ميزانه الصحيح: ميزان العدل، والمصلحة العامة، والإنصاف الشامل الذي لا يستثني أحدا ولا يظلم أحدا.

 

إن المسؤولية هنا ليست مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية جماعية على السياسي أن يتذكر أن موقعه تكليف لا تشريف، وأن دوره بناء لا هدم، وعلى الناشط الحقوقي أن يميز بين الدفاع عن الحقوق وبين تأجيج النعرات، وعلى المجتمع بكل مكوناته أن يظل يقظا تجاه كل خطاب يريد أن يعيد إنتاج الانقسام تحت أي مسمى.

 

ومن يمعن النظر في تفاصيل الحياة اليومية في هذا الوطن، يدرك أن فكرة "الدونية" أو "التفاضل" بين مكوناته هي فكرة غريبة عن واقعه، بل هي دخيلة عليه لا أصل لها في بنيته الاجتماعية. كيف يُقال ذلك، ونحن نتجاور في الأحياء ذاتها، ونتعامل في الأسواق ذاتها، ونتعلم في المدارس ذاتها، ونشترك في الأفراح والأتراح ذاتها؟ إن هذا التعايش اليومي هو أبلغ ردٍّ على كل خطاب يحاول أن يصنع مسافات وهمية بين أبناء الوطن الواحد.

 

إننا أمة مسلمة، نعلم يقينا أن الفتنة حين تفتح أبوابها لا تُبقي ولا تذر، وأن شررها إذا اشتعل لا يميز بين أحد، بل يعم الجميع دون استثناء. ومن هنا فإن واجب العقلاء في هذا الوطن أن يكونوا سدًّا منيعا أمام كل خطاب يهدد وحدته، وأن يقدموا صوت الحكمة على صوت الانفعال، وصوت البناء على صوت الهدم.

 

وإني لأقولها بوضوح لا لبس فيه: لا أرى في هذا الوطن إلا أبناء شعب واحد، تتعدد ألوانه وتتشابه همومه وتتوحد آماله.

 

وما يُقال من تقسيمات جارحة أو تصنيفات قاسية لا يزيد إلا ألما في القلب، لأنه يمسّ روح الوطن قبل أن يمسّ مكوناته.

 

إن موريتانيا لا تبنى بالفرقة، ولا تصان بالتصنيف، ولا تُحفظ بالاستقطاب، بل تبنى بالعقل، وتصان بالعدل، وتُحفظ بالوحدة. وهذه الوحدة ليست شعارا يرفع في المناسبات، بل حقيقة راسخة في الأرض والوجدان، وواجبٌ يوميٌّ لا يسقط بالتقادم، ومصيرٌ لا بديل عنه إلا السقوط في المجهول.

الأحدث