جدول المحتويات
ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول تلك المتعلقة بالاقتصاد أو السياسة فقط، بل تلك التي تصيب فكرة الوطن نفسها.
حين يضعف الخيال الوطني، يتراجع الإحساس بالمواطنة، ويبدأ الناس في البحث عن معنى وجودهم داخل هويات أصغر: قبيلة، عِرق، جهة، لغة، أو ذاكرة جماعية مغلقة. عندها لا يعود الوطن إطارا جامعا، بل مجرد مساحة تتجاور فيها الجماعات بحذر، وتتقاسمها الهواجس أكثر مما توحدها الفكرة المشتركة.
وفي موريتانيا، تبدو هذه الإشكالية أكثر حساسية، لأن بعض الخطابات لم تعد تكتفي بالدفاع عن الحقوق أو الاعتراف بالتنوع، بل أصبحت تحاول تحويل الانتماء العرقي إلى هوية سياسية قائمة بذاتها، وكأن الإنسان يُعرَّف بدمه أكثر مما يُعرَّف بمواطنته، وبأصله أكثر مما يُعرَّف بموقعه داخل الدولة.
المشكلة هنا ليست في التنوع؛ فالتنوع ثروة وطنية حين يُدار داخل مشروع جامع. المشكلة حين يتحول هذا التنوع إلى مشروع انعزال نفسي وسياسي، يعيد تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، ويجعل كل مجموعة تنظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة يجب انتزاعها أو حصنًا يجب السيطرة عليه.
وحين تدخل الأمم هذه المرحلة، تصبح السياسة مجرد إدارة للتوازنات القلقة، لا بناءً لمستقبل مشترك. ويصبح سؤال: "من أي مكوّن أنت؟" أهم من سؤال: "ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟".
ولعل جزءا من هذه الأزمة يعود إلى هشاشة الولاءات ما دون الدولة، بوصفها نتاجًا ثقافيًا متوارثًا تشكّل عبر عقود طويلة من ضعف الاندماج الوطني، وغياب تصور جماعي واضح لمعنى الدولة الحديثة. فالكثير من الناس لم يتربّوا على فكرة الدولة باعتبارها عقدًا جامعًا ومؤسسة محايدة تحمي الجميع، بل على تصور تقليدي يرى في الجماعة الضيقة مصدر الحماية والفرص والشرعية. وهكذا تصبح القبيلة أو الجهة أو الجماعة العرقية بديلاً نفسيًا عن الدولة، لا لأنها أقوى منها بالضرورة، بل لأن صورة الدولة نفسها بقيت مشوشة وغير مكتملة في الوعي الجمعي.
وفي المقابل، من الطبيعي أن يطالب المواطنون بترسيخ العدالة والشفافية، وبضمان تكافؤ الفرص بين جميع فئات المجتمع، لأن أي شعور بالإقصاء أو التهميش يضعف الثقة في الدولة ويغذي الانغلاق داخل الهويات الضيقة. لكن ما لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة سياسية أو أخلاقية هو أن يصبح الانتماء العِرقي أو اللون مبررًا للمطالبة بالتمييز أو الامتياز، بدل أن يكون معيار التقدّم والمسؤولية هو الكفاءة والجدارة والاستحقاق. فالدولة العادلة لا تُبنى بمنطق الغلبة العددية أو الرمزية، بل بمنطق المواطنة المتساوية التي تضمن الحقوق نفسها والفرص نفسها للجميع.
لذلك فإن معركة بناء الوطن ليست أمنية أو سياسية فقط، بل هي أيضًا معركة ثقافية عميقة، هدفها إعادة تعريف معنى الدولة التي نريدها: دولة مواطنة لا دولة جماعات، دولة قانون لا دولة ولاءات، ودولة يشعر فيها الفرد أن انتماءه الوطني يمنحه ما لا تمنحه أي هوية أخرى.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على نقاء الهويات، بل على قوة الفكرة الوطنية، وعلى عدالة يشعر الجميع أنهم متساوون أمامها، دون امتياز لمجموعة على أخرى، ودون شعور أي مواطن بأنه أقل حظًا أو أقل حضورًا بسبب أصله أو لونه أو لغته.
وحين تترسخ الشفافية، وتتوسع العدالة، وتُبنى الفرص على الكفاءة والاستحقاق، يزداد شعور المواطن بالانتماء والثقة في دولته، وتتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الضيقة. فالدولة القوية ليست تلك التي تلغي تنوع مجتمعها، بل تلك التي تنجح في إدارة هذا التنوع بروح المساواة وسيادة القانون، بحيث يشعر الجميع أن لهم المكانة نفسها، والحقوق نفسها، والفرص نفسها داخل الوطن الواحد.
ولا تنهض الأوطان حين يشعر كل مكوّن أنه يبحث عن خلاصه منفصلًا عن الآخرين، بل حين يؤمن الجميع أن مصيرهم واحد، وأن المواطنة الحقيقية لا تكتمل إلا في ظل الشفافية، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، والمساواة الكاملة أمام العدالة.
وهنا يبرز الدور المحوري للأحزاب السياسية والحياة العامة. فالأحزاب ليست مجرد أدوات انتخابية أو أطر لتنظيم السلطة، بل يفترض أن تكون مدارس وطنية لصناعة الوعي الجماعي، وصياغة خطاب يوحّد المواطنين حول مشروع وطني جامع، لا حول الانتماءات الضيقة.
حين تضعف الأحزاب، أو تتحول إلى امتداد للهويات التقليدية والاصطفافات الاجتماعية، تفقد السياسة دورها الطبيعي في بناء الأمة، وتتحول المنافسة السياسية إلى انعكاس لصراعات المجتمع بدل أن تكون وسيلة لتجاوزها. أما حين تنجح الحياة السياسية في إنتاج خطاب وطني عقلاني، قائم على البرامج والكفاءة والعدالة، فإنها تصبح أحد أهم أدوات حماية الوحدة الوطنية وتعزيز الشعور بالمواطنة.
فالديمقراطية لا تنجح فقط بوجود الانتخابات، بل بوجود ثقافة سياسية تجعل المواطن يصوّت على أساس الرؤية والبرنامج، لا على أساس القبيلة أو العِرق أو الجهة. كما أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها الأمنية، بل بقدرتها على إنتاج ثقة جماعية تجعل الجميع يشعرون أنهم شركاء متساوون في الوطن والمستقبل.
أخطر ما يمكن أن نفعله بموريتانيا هو أن نختزلها في مجموع مكوناتها، بدل أن نراها وطنًا أكبر منها جميعًا.
فالأوطان التي تفشل في إنتاج هوية وطنية جامعة، تظل معلقة بين دولة لم تكتمل… وجماعات لم تتعلم بعد كيف تبني وطنًا.