جدول المحتويات
يحتاج الشعب الجزائري إلى من يتفهم نفسيته، فهو يتصرف كالطفل الصغير في أحايين كثيرة، ويعبر بطريقة سلبية عن حاجات مزعجة في نفسه عميقة، وقد لا تكون هي ما نرى ونشاهد. وتروى عن بعض علماء الجزائر مقولة خارقة، مفادها أن فهم الشعب الجزائري يحتاج إلى دراسة كدراسة الفقه. لذلك أرى بأن تسليط الضوء على الدوافع المستترة أولى من انتقاد سلوكيات الناس الظاهرة. وللمفارقة اللافتة أنك ترى هذا الشعب المستضعف واللامبالي والفوضوي والعنيف في الشوارع خلاف ذلك داخل المساجد، لتبقى المساجد أحسن فضاء لتقييم سلوكه الحقيقي.
ولقد شاركت مرة في ملتقى بتبسة حضرته شخصيات سياسية معروفة في البلاد، كان من بينها المرحوم عبد الحميد مهري، وفي مساء ذلك اليوم كان المشاركون جلوسا في بهو الفندق يتبادلون الأحاديث، وكنت ساعتها بالقرب من السيد مهري، وكان يتحدث لمن حوله عن معاناة التنقل في العاصمة وعن مظاهر التخلف فيها وهي واجهة الدولة. فقلت له فعلا إننا نرى ذلك ونرى خلافه في الجوامع، فالشعب هادئ فيها ومنتظم وقارئ ومستمع، كما أنه نظيف وممتنع عن المنكرات، فما رأيك لو أننا وسعنا جدران المسجد لنصل بها إلى حدود الجزائر؟ فنظر إلي نظرة فهمت منها أن الرسالة قد وصلته، وسكت رحمه الله!
الشعب الجزائري لديه لغته الخاصة حينما يعبر عن استيائه من الإدارة التي يراها لا تختلف كثيرا عن المستعمر، فيتعامل معها بانتقام وكأنه يفسد عليها ما تصنع. وأزعم جازما بأن الجانحين منه سيكونون أول الملبين لنداء الإصلاح لو قيضت لهم قيادة صالحة. كما أزعم بأنه لم تسر في نفسه بهجة الحياة ولم يقبل على محيطه بإيجابية إلا في عام واحد لا قبله ولا بعده، عام تولت الجبهة الإسلامية للإنقاذ تسيير البلديات، قبل أن يئد المستكبرون ذلك المولود وهو في المهد. ففي عامها فقط تفاعل الشعب مع رؤساء البلديات واستجاب لدعواتهم بإقبال وحب.
وأذكر في تلك الأيام الجميلة أنني كنت أنتظر دوري مع الناس لأدخل على رئيس البلدية، وكان من بيننا شخص معروف بغلظته ولجاجته وصخبه حين يغضب يدفع محاولا الولوج وكأنه يشكك في نية الرئيس وحاجبه في الاستقبال أصلا، لما تعود عليه من وعود كاذبة من قبل رؤساء البلديات السابقين، فقال له الحاجب: إن الرئيس يقول لك دعنا نصلي الظهر في المكتب ثم نواصل الاستقبال، فوقعت هذه الكلمة موقعها في نفس ذلك الرجل فهدأ وكان واقفا فجلس فجأة وكأنه خدر، وقال: "هذي حاجة زينة كي يقولك المير خليني انصلي، قلو يصلي يا سيدي!".
ولهذه الحلقة المفقودة في الذهنية الجزائرية آثار سلبية على نسق تفكير الفرد، يشترك في ذلك الراعي والرعية. ومثله إرجاع الفضل في أعوام الخير إلى نزول الأمطار أكثر من الذي أنزلها وهو الله سبحانه، فترى الناس يشكرون الله بقولهم: "الحمد لله عليك يا سيدي ربي"، ولا يأخذ هذا التنويه إلا القليل من الحمد والشكر، ثم تأتي مزية الأمطار، وكأن السقي بأدوات الرش المعروفة حاضرة دوما كبديل عنها إذا ما تأخر نزولها! وتأخذ بعد ذلك المرافقة الإرشادية من السلطات المختصة والحبوب المدعمة والأسمدة الكيمياوية النصيب الأكبر من كلام الناس واهتمامهم. بهذا الترتيب المعكوس يبدو السلم مقلوبا.
وعليه يجب التركيز في إصلاح هذ الشأن على فضل الخالق سبحانه أولا وأخيرا، فهو الذي ينزل الماء أو يمسكه إن شاء، وذلك بحسب حالنا، فلنهتم إذن بما يقوي الصلة به بالتقوى والاستغفار والعناية بأحكامه المنزلة في الفلاحة وأهمهما عدم المراباة. ثم ندخل بعد ذلك في عالم الأسباب، والماء من أهمهما، وكيف لنا أن نستنزله من السماء على الدوام بالاستسقاء وبرد المظالم وخاصة من الحاكم، الذي لا يقدر الله حق قدره. ثم نهتم بنوعية الحبوب غير الملوثة بالسماد الكيمياوي، كيف نكثرها وندخرها كسلاح استراتيجي، وأخيرا المرافقة والإرشاد، اللذان يحتاجان من القائمين عليهما تعلم المزيد في الاختصاص، والنزاهة، وعدم استغلال الفلاح أو أخذ الرشاوي منه لقاء حقه في الدعم الفلاحي، الدعم القليل جدا بطبيعة الحال.
إن سؤال "كيف لنا أن نعالج الخلل الذي تعاني منه الأمة"؟ هو أصعب سؤال في هذا العصر، والإجابة عنه ليست متاحة لأي كان بيسر وسهولة. وإن كان للعلماء الصالحين المصلحين منهم اجتهادات أصابت في بعض العلاج وأخطأت في بعضه الآخر؛ فأسأل الله تعالى أن يأجر من كانت نيته حسنة لخدمة الإسلام والمسلمين! ولا يمنعن الواقع المتأزم الذي نحيا فيه أن يبقى هذا السؤال مطروحا على أهل الحق كافة، ونستجمع له إجاباتهم في السر والعلانية.
ومن حيث المبدأ، فإن واقع الأمة مختلف حاله بحسب الشعوب والأمصار، فبعضها متقدم في إصلاح حاله وبعضها متأخر، وبعضها متضعضع لما أصابه من فتن وابتلاءات، ولعل واقعنا في الجزائر من هذا القبيل؛ لذلك فإن توصيف كل حالة على حدة ووصف الدواء النافع لها خطوة أولى لا بد منها، كي لا نقع في بعثرة الأولويات وعبث الاستعارات. فليس من يمتلك أدوات السلطة كلها كمن يتعثر في تنظيف فناء بيته. علما بأن من فقه الأولويات عدم تبديد الجهد في التحسينيات، والضروريات في المجتمع لا تزال مضيعة.
كما يبدو لي - والله أعلم - أن حال الأمة في الجزائر يعاني من خلل بنيوي، ذي ثلاث شعب: روحي وفكري وسياسي، وتجليات كل منها لا أستطرد في الحديث عنها لأنها بادية في كل المجالات. ومن الخطأ الذي وقع فيه بعض الدعاة المخلصين توصيف الأزمة بأنها سياسية فقط أو روحية أو فكرية، ثم بنى عليها خطته وسعى فيها ولا يزال، رغم أن الأخطبوط الذي يواجهه لديه ثلاثة أذرع ماكرة.
وبناء عليه، فإن امتلاك رؤية وخطاب وأدوات تمزج بين هذه الشعب من الأهمية بمكان، وصناعة تلك العدة تتطلب علما وعملا وتعاونا، تعاونا مع أهل هذه النظرة حشدا للأعوان على الحق، ولا يلتفتن المرء كثيرا إلى ما يجعله يلتقي في الطريق مع أصحاب المشاريع المعادية لروح الأمة المحمدية وإن أعجبنا ما لديه من عنفوان، لا يفتؤون يستخدمونه في كل مرة لأهدافهم الخاصة.
مع التنبه إلى أمور مهمة: أولها أن أهم ميدان يعتنى به في الإصلاح هو الإسلام نفسه، لأنه رأس مال الدعوة والدعاة، الإسلام المتكامل غير المنقوص، والذي نرى أن بعض الناس يدلس على الناس بنماذج مشوهة منه خدمة للسلطان أو للاستعمار، والأمثلة الحية الضاغطة على تدين الناس الصحيح بادية للعيان.
وثاني تلكم الأمور أن قضايا الأمة ملك لكل مسلم يجد من نفسه كفاية في ميدان من الميادين، فالواجب عليه إذن أن يعمل بها في حدود مسؤولياته وطاقته، ولا يحاولن الساعي لخدمة دين الله أن يستأثر بالمنابر أو أن يتسيد على الباقين؛ وبالتالي فالعمل المتقن هو المطلوب والنتائج على الله، ويكفي المرء أن يبلغ آيات الله وينفق زهرة عمره في ذلك.
وثالث أمر، يتعلق بالسلاطين، وكيفية دعوتهم لإصلاح شأنهم؛ فالجفوة المبالغ فيها والمشي في ركبهم سيان؛ واللين في القول لهم منهج قرآني، والاستعداد للتضحية جراء ذلك كذلك. وهنالك من هم داخل السلطة الفعلية في البلاد ويطمع المصلح في إيمانهم، ولعل في ضباط الصف الثاني والثالث المنحدرين من "الشرق" مظنة لأن يعيدوا للجزائر مجدها السالف، وما ذلك على الله بعزيز.