جدول المحتويات
يهدف القانون إلى تحقيق المصلحة العامة ولضمان قيامه بذلك الدور على الوجه الأكمل يحتاج لإسهام مكونات المجتمع لأن عدم المبالاة بمشاريع النصوص وغض الطرف عن تبييت تسخيرها لخدمة مصالح خاصة يؤدي إلى انحراف القواعد عن الطريق السوي وينتج قوانين ذات أغراض فاسدة تحقق مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة للمجتمع. ويعد انحراف القانون فسادا أكبر اعتبارا لنطاقه وما يترتب عليه من أضرار. ولئن كانت أعمال السلطة التنفيذية قابلة لأن يطعـن فيها أمام القضاء الإداري فإن الرقابة على عمل السلطة التشريعية لا تكون ناجعة إلا بالتقاء الرقابة القضائية التي يختص بها المجلس الدستوري والرقابة العلمية التي يسهم بها المختصون مع الرقابة السياسية التي ينهض بها الرأي العام من أحزاب وهيئات مجتمع مدني. ولا مراء في أن الرقابة القضائية عموما تكاد تكون غائبة لأسباب لا يتسع المقام لذكرها مما يجعل المراهنة على الرأي العام واردة.
وأبين في هذا المقال خطورة التلاعب بالقانون (1) قبل تناول الحماية القانونية للشريط الساحلي (2) التي يبدو أنها رفعت مؤخرا (3) ويحتمل أن تترتب على رفعها آثار خطيرة يتعين على الموريتانيين تداركها قبل فوات الأوان (4).
1. خطورة التلاعب بالقانون
لنفترض جدلا أن مجلس الوزراء صادق على مشروع قانون يلغي مواد القانون الجنائي التي تعاقب السرقة وأن النص عرض على الجمعية الوطنية فصوتت عليه وأحيل إلى رئيس الجمهورية فوقعه وتم نشره في الجريدة الرسمية عندها يصبح التعديل الجديد قانونا نافذا يعبر عن إرادة المجتمع ولا يعذر أحد بجهله.
وإذا تخيلنا أنه بعد بدء سريان التعديل المذكور في الفقرة السابقة، كر اللصوص على المدينة وغابوا على بعض ممتلكات ساكنتها فهرع المتضررون إلى الشرطة واتصل ضابط المداومة بوكيل الجمهورية وأخبره بما حدث وطلب تعليماته: إذا افترضنا أن وكيل الجمهورية لم يتلق أوامر خاصة من رؤسائه وكان ممن يحترمون القانون، فمن الوارد أن يأمر الضابط بصرف النظر عن الشكاوى بناء على أن القانون لم يعد يسمح بمتابعة اللصوص لأن الركن الشرعي للجريمة انعدم بفعل التعديل المفترض.
2. حماية الشريط الساحلي
كان القانون الموريتاني، حتى قبل أقل من سنة، يقرر حماية خاصة لشريط بعرض مائة (100) متر يمتد على طول الساحل اعتبارا من الشاطئ المتاخم للدومين العمومي البحري وكان القانون ينص صراحة على حظر البناء في الشريط المذكور ويمنع إقامة المنشآت عليه باستثناء مرافق الخدمة العمومية كما كان القانون ينص على أن نفاذ المشاة إلى الشاطئ واستخدامهم له يجب أن يظل متاحا ومجانيا ما لم تفرض الضرورات الأمنية خلاف ذلك.. ولم يكن القانون يجيز للسلطات الإذن في استخدام الشريط المذكور إلا بموجب تراخيص مؤقتة وفي نطاق زماني ومكاني محددين.. هذا ما كرسته مدونات البحرية التجارية الثلاث الصادرة في موريتانيا على مدى فترة ناهزت نصف قرن:
- مدونة البحرية التجارية لسنة 1978: القانون رقم: 78 - 043 التي أصدرها الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله، بتاريخ: 28 فبراير 1978 ونشرت في عدد الجريدة الرسمية رقم: 466 - 467 بتاريخ: 29 مارس 1978 والتي سنت مادتها 173 الشريط الساحلي المذكور وحددت عرضه بمائة (100) متر.
- مدونة البحرية التجارية لسنة 1995: القانون رقم: 95 - 009 التي أصدرها الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطائع، بتاريخ: 31 يناير 1995 ونشرت في عدد الجريدة الرسمية رقم: 848 بتاريخ: 15 فبراير 1995 والتي قررت مادتها 218 شريطا ساحليا بعرض مائة (100) متر قابل للزيادة بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء عندما يكون ذلك مبررا.
- ومدونة البحرية التجارية لسنة 2013: القانون رقم: 2013 - 029 التي أصدرها الرئيس محمد ولد عبد العزيز، بتاريخ: 30 يوليو 2013 ونشرت في عدد الجريدة الرسمية رقم: 1297 بتاريخ: 15 أكتوبر 2013 والتي لا تزال جل مقتضياتها نافذة. ويمكن التأكد من توقيع الرؤساء المذكورين لمدونات البحرية التجارية الثلاث الرجوع إلى أعداد الجريدة الرسمية المذكورة.
ينص القانون رقم: 2013 - 029 المتضمن مدونة البحرية التجارية النافذ حاليا في مادته: 20 على أن الدومين العمومي البحري يضم شريطا ساحليا بعرض مائة (100) متر قابلة للزيادة إلى مائتي (200) متر بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء. وتنص مادته: 23 على حظر إقامة أي بناء أو منشآت على الشريط الساحلي باستثناء مباني أو مرافق الخدمات العامة والدفاع الوطني والاتصالات الدولية والأنشطة الاقتصادية التي تتطلب مجاورة الماء بما في ذلك المباني والمنشآت السياحية التي يجب أن تحصل على ترخيص مؤقت للعمل في الدومين العمومي البحري بمقرر من الوزير المكلف بالبحرية التجارية. وتنص مادته: 24 على إمكانية منح رخص مؤقتة لاستغلال الدومين البحري يصدرها الوزير المكلف بالبحرية التجارية بعد ورود رأي لجنة الشواطئ البحرية التي تحدد تشكيلتها وكيفية عملها بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء. وتنص مادته: 29 على أن تحديد شروط منح رخص الحيازة المؤقتة للمجال البحري العمومي يتم بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء.
3. رفع الحماية القانونية عن الشريط الساحلي
خلال الآونة الأخيرة باشرت السلطات الموريتانية رفع الحماية القانونية عن الشريط الساحلي المذكور في الفقرة الثانية من هذا المقال وتم ذلك بموجب القانون رقم: 2025 - 018 الذي أصدره السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بتاريخ: 2 يونيو 2025 ونشر في عدد الجريدة الرسمية رقم: 1587 بتاريخ: 15 أغسطس 2025 وهو قانون صوتت عليه الجمعية الوطنية خلال جلسة عقدتها بتاريخ 6 مايو 2025 بعد أن صادق مجلس الوزراء على مشروعه بتاريخ: 11 دجنبر 2024.
تم بموجب القانون الجديد تعديل المادة: 20 من مدونة البحرية التجارية (القانون رقم: 2013 - 029) تعديلا اجتث الشريط الساحلي المذكور من أصله واكتفى المشرع بالنص على إمكانية توسيع المجال البحري بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء إلى شريط يمكن أن يمتد حتى مائتي (200) بشرط أن يكون ذلك الإجراء مبررا.. وبينما عدل القانون الجديد (2025 - 018) المادة: 20 نص صراحة على إلغاء المواد: 23، 24 و29 وبذلك زال المانع القانوني الذي يحظر المنح النهائي للشريط الساحلي وأصبح من المكن تتنازل الدولة عنه وأن يتملكه الخواص كما يتملكون باقي الأراضي.
وبعد أن كانت القاعدة العامة هي حماية الشريط الساحلي بحظر البناء فيه ومنع التنازل النهائي عنه أصبحت القاعدة هي جواز التصرف فيه ومنحه ما لم تقتض الضرورة حمايته بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء.. وبحكم التراتبية القانونية وإكراهات الواقع فإن الحماية بقانون تظل أنجع وأقوى من الحماية بمرسوم ولذلك يمكن القول إن القانون الجديد يكرس رفع الحماية القانونية عن الساحل.
4. الآثار المحتملة للتعـديل
كانت المنطقة الحرة في انواذيبو أول من استباح الشريط الساحلي الوطني حيث انتهكت مدونة البحرية التجارية وقامت ببيع قطع أرضية مطلة على شاطئ منتجع "كابانو" بمدينة انواذيبو ومنحتها منحا اعتبرته نهائيا لفائدة بعض الخصوصيين لدرجة أنها سلمت بعضهم سندات عقارية. وبعد أن كان المستفيدون من القطع الأرضية الساحلية خائفين يترقبون هدم منازل شيدت على أرض يحظر على الخصوصيين البناء فيها ويعتبر منحها مخالفا للقانون، تغير الوضع وتمت التضحية بالحماية القانونية للشريط الساحلي عموما لتبقى الدور قائمة! بعبارة أخرى قامت السلطتان، التنفيذية التي اعتمدت مشروع القانون والتشريعية التي صوتت عليه، بتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة ولذلك يجب العمل على إعادة الأمور إلى نصابها.
والمقلق حقا أن تملك الخصوصيين للشاطئ واحتكارهم له قد لا يتوقف عندما شاهدنا في منتجع كابانو لأن فتح القانون الجديد للباب أمام القادرين الراغبين في إقامة دور وقصور على الشاطئ الموريتاني سيمتد حتما من الرأس الأبيض إلى اندياكو.. وعلاوة على ما ينتج عن تنازل الدولة عن أرض الشاطئ من حرمان المواطنين من حق الولوج إليه هناك مخاطر أمنية محتملة فقد لا تعدم العصابات وسيلة للحصول على منازل مطلة على الشاطئ يمكن توظيفها لأغراض إجرامية من تهريب وغيره؟! ومن أهون مساوئ تنازل الدولة عن الشريط الساحلي أن تجد نفسها، يوما ما، مرغمة على دفع مبالغ لملاك الشاطئ ليسمحوا بتمرير كابلات الاتصال التي هي موضوع اتفاقيات وتفاهمات دولية.
ومن الملاحظ أن قانون إلغاء الشريط الساحلي ورفع الحماية القانونية عنه تم دون إشهار وعلى حين غفلة من منظمات حماية البيئة ودون تدخل الشراكة الإقليمية للحفاظ على المنطقة الساحلية والبحرية في إفريقيا الغربية PRCM التي عقدت دورتها الثانية عشرة في انواكشوط في الفترة ما بين 27 و30 ابريل 2026 ودون حراك من مشروع حماية الساحل WACA الممول من طرف البنك الدولي والعامل في موريتانيا وفي دول أخرى بإفريقيا الغربية.
وبالرجوع إلى النقاش البرلماني الذي سبق التصويت على قانون إلغاء الشريط الساحلي والذي مثلت فيه الحكومة من طرف وزير الصيد والبنى البحرية والمينائية يتبين أنه تمحور حول صلاحيات وزارة الصيد في وضع اليد على الشاطئ وأهمية الموانئ بدل نقاش الموضوع الحيوي.. وقد تم ذلك في غياب الوزارة المكلفة بالبيئة.
وجدير بالذكر أن إلغاء الشريط الساحلي يشكل تراجعا وبدعة سيئة لأن تشريعات جل الدول المتمدنة ذات الحدود البحرية تقضي بحماية شريط ساحلي بعرض مائة (100) متر يحظر البناء فيه أو تملكه وهذا ما كرسته قوانين دول الجوار: ففي الجزائر قررته المادة: 45 من قانون التهيئة والتعمير (القانون رقم: 90 - 29 بتاريخ: 1 دجنبر 1990) وفي المغرب تضمنته المادة: 15 من القانون المتعلق بالساحل (القانون رقم: 81.12 الصادر بتاريخ 16 يوليو 2015)، وفي السنغال كرسته المادة: 5 من قانون عقارات الدولة (القانون رقم: 66 - 76 الصادر بتاريخ: 2 يوليو 1976).. وفي فرنسا تناولت المادة: 121 - 16 من مدونة العمران الشريط الساحلي المذكور. ومن الملاحظ أن التشريعات تشترط حتى في حال الترخيص للخصوصيين باستغلال الشريط الساحلي أن تكون الرخصة محددة المدة وأن يتعهد المستفيد منها بإبقاء مسافة مفتوحة بين منشآته وبين الشاطئ عندما يكون البحر في حال المد بحيث يتاح للمشاة المرور بحرية على طول الساحل.
الخلاصة:
وجملة القول أنه يتعين على الموريتانيين أن يدركوا أنهم لم يعودوا رحلا وعليهم أن يقدروا أهمية الحفاظ على الدومين العمومي البحري ويستحضروا أضرار إلغاء الحماية التي كان القانون الموريتاني يمنحها للشريط الشاطئي الذي تصونه القوانين في جل الدول الساحلية. عليهم أن يتذكروا ما ورد في المادة الأولى من الأمر القانوني المتعلق بالساحل "يشكل الساحل موروثا وطنيا يتعين التوفيق في تسييره بين حقوق الأجيال الحاضرة وحقوق الأجيال المستقبلية".. وعلى السلطات التنفيذية والتشريعية أن تراجع برنامج لجنة التحقيق البرلمانية ليوم 7 يوليو 2020 لتتذكر الشبهة التي همت لجنة التحقيق البرلمانية ببحثها مع رئيس الجمهورية السابق محمد ولد عبد العزيز وأعوانه والتي شاع حينها إمكانية أن يؤسس عليها اتهامه بالخيانة العظمى وهي إهداؤه جزيرة بحوض آركين لأمير قطر السابق حمد بن خليفه آل ثاني. ولا يخفى أن التنازل عن جزيرة ما، يعد في بعض جوانبه أهون وأقل ضررا على المواطنين من إفساح المجال أمام إمكانية التنازل عن أراضي الشاطئ لأن من يملك جزيرة بالمحيط لا يضايق المواطنين كما يضايقهم من يملك الساحل لأنه يمكن أن يحول بين السكان وبين البحر وربما اشترط الملاك المحتملون على الدولة أن تدفع مقابل مرور دوريات الأمن عبر دومينهم الخاص.
وفي يوم الأربعاء الماضي (29 ابريل 2026) صادق مجلس الوزراء على مشروع قانون أوردت الوكالة الموريتانية للأنباء أنه يهدف إلى وضع المبادئ الأساسية الرامية إلى تعزيز التسيير المندمج والمستديم للشاطئ الموريتاني وتحديد القواعد المتعلقة بتهيئته وحمايته وتسييره وتثمينه. وقد بحثت عن مشروع القانون المذكور إلا أني لم أتمكن من الحصول عليه. ويلاحظ أن السلطات الموريتانية لم تعتد نشر القوانين في أطوارها التمهيدية مما يمكن أن يعد إخلالا من الدولة بالتزامها المضمن في المادة: 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي توجب أن تتاح للمواطنين، دون تمييز، فرصة المشاركة في إدارة الشؤون العامة مما يقتضي علنية وشفافية العملية التي يجري تطوير التشريعات من خلالها. ويتطلب إشراك المواطنين نشر الوثائق المتعلقة بمراحل التشريع والملاحظات التفسيرية والمذكرات والنقاشات الملحقة بها لكي يطالعها كل من يهمه الأمر. وآمل أن لا تسفر مراجعة قانون الساحل (الأمر القانوني رقم: 2007 - 037) إلى تخفيف الحماية المكتسبة ومنها ما تنص عليه مادته 38: "لا تمكن إقامة أي بناء دائم على الحزام الكثباني الشاطئي ولا داخل شريط طوله 500 متر خلف هذا الأخير ولا في المنطقة القابلة للغمر ولا في السباخ وذلك تطبيقا لمبدأ الحيطة مراعاة للمخاطر المستقبلية لتراجع الشاطئ".
وبينما يتآكل الحاجز الرملي الذي يحول بين مياه المحيط الأطلسي وبين العاصمة ينبغي أن نعيد الحماية القانونية للشريط الساحلي وندعمها.. وكما لا يجوز حجب أشعة الشمس عن أحد مهما كان معدما ينبغي أن تظل الطرق إلى الساحل سالكة للجميع.