تخطى الى المحتوى

بين وهم الإصلاح وحقيقة التحكم.. إلى أين تتجه نقابة الصحفيين؟

محمد الأمين محمد المامي - كاتب صحفي

جدول المحتويات

المؤتمر العادي يفترض أن يكون فاصلة في تاريخ نقابة الصحافيين الموريتانيين والعمل النقابي، لكن يبدو أن المشهد يعود ليدور في حلقة مفرغة، وكأن شيئا لم يحدث، أو أن قدرنا التراجع، كما أظهر تقرير مراسلون بلا حدو لعام 2026، لأسباب تعود للحالة الاقتصادية والتحديات الاجتماعية والمهنية، إلا أن ما يزيد الطين بلة أكثر، هو المسعى المفضوح لإعادة إنتاج نهجٍ استُهلك حتى العطب، وإبقاء النقابة رهينة ذات العقلية التي عطّلتها لعقد من الزمن.

 

هذا المسعى وإن تم الترويج لإظهاره "ثقة في كفاءة"، يُفهم كضمانة لاستمرار التحكم من وراء الستائر من قبل أكثر من جهة، فالرجل المرشَّح لا يبدو، في نظر كثيرين مؤهل لقيادة مشروعَ تغييرٍ أو إصلاح، بل امتدادًا مريحًا لمنظومة ترفض مغادرة مواقع التصرف.

 

 ومن هنا، فإن الموضوعية لا تدفعنا للسؤال عن احتمال نجاح ذلك السيد في قيادة النقابة وأداء مهمتها، وإنما إن كان مُطالَبا أصلًا بالنجاح، أم فقط بالحفاظ على توازنات قديمة تخدم قلةً محدودة معدودة، معروفة؟

 

الأخطر من ذلك هو ما حيك في الكواليس وأسفر عن تشكيل تحالفٍ غير معلن، يضم رؤساء وقيادات اتحادات وشبكات وتجمعات صحفية توصف بالمستقلة، لكنها في الواقع تسعى إلى الإمساك بخيوط القرار النقابي من الخارج، هذا التحالف الذي تَشَكَّل فعلا وظهرت أركانه في "صورة" متداولة، أرادوا لها أن تكون عفوية، لكنها لم تخف عن عاقل حقيقتها، كما لن يكون هذا التحالف دعامةً للنقابة، بل دون شك سيكون قيدًا إضافيًا عليها، إذ سيحوّل النقيب إلى واجهة شكلية، بينما تُصنع القرارات الحقيقية في غرف مغلقة، وفق حسابات ضيقة بغض النظر عن مصالح الصحفيين.

 

في مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن استقلالية القرار النقابي تضليلا ومغالطة، ذلك أن شخصا – أي شخص -  أحاطت به هذه الشبكة من الضغوط والتأثيرات لن يمتلك الجرأة على إحداث أبسط تغيير، بل سيواجه إرثًا ثقيلًا من الممارسات القديمة وهو مُقيَّد بتحالفاتٍ لم يخترها وإنما هي التي اختارته لتفعل فعلتها دون ضجيج ولا إزعاج.

 

التحديات كثيرة، وكثير منها متعلق بالأشخاص، ومنها ما يتعقل بالبنية التي تُعيد إنتاج نفسها، وهي بنيةٌ تعودت إقصاء الكفاءات المستقلة، وأصحاب الرأي والجرأة، لتفتح الأبواب أمام من يجيدون فن التموضع داخل دوائر النفوذ بصمت وغش.. لكن، في ظل هذه المعادلة، سيبدو عجز النقيب (الفائز / الخاسر) عن إحداث تحول جوهري أمرًا شبه محتوم، إن لم تكن لقصور شخصي بالضرورة، فلغياب شروط الفعل الحر من الأساس.

 

على الرغم من هذا المشهد القاتم، فإن الحاجة إلى نقابة قوية، مستقلة وفاعلة، لم تكن يومًا أكثر إلحاحًا مما هي عليه الآن، نقابة تستمد شرعيتها من الصحفيين أنفسهم، وليس من التزكيات في الدوائر المغلقة، نقابة تُعيد الاعتبار للمهنة، وتحمي حقوق العاملين فيها، وتضع حدًا للفوضى التي سمحت للدخلاء بالتسلل إلى الجسم الصحفي، حتى أصبح التمييز بين المهني وغير المهني يتطلب تحقيقا ومشقة.

 

إن بناء نقابة بهذا المستوى يحتاج شجاعة في القطيعة مع الماضي، وإرادة جماعية لاحتواء المهنيين الحقيقيين، وإبعاد كل من لا يمتلك صلة حقيقية بالمهنة، كما يتطلب إعادة تعريف العمل النقابي باعتباره أداة للدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للصحفيين لكون هذا هو مبرر وجود النقابة، وليس كما يعتقدون أنها تمثل منصة للمتاجرة بالمواقف على حساب مصالح الصحفيين.

 

في الواقع إن المسألة ليست قضية أشخاص بقدر ما هي قضية خيار أكبر لأنه يشمل أكثر من 1700 صحفي وصحفية بل يفترض أن يشمل معهم 1200 من صحافيين آخرين مستقلين لو أتيحت لهم فرصة الانتساب؛ إلا أن الخيارات الآن، اثنان لا ثالث لهما، إما الاستمرار في تدوير نفس الوجوه ونفس الأساليب، مع ما يعنيه ذلك من مزيد من التآكل، أو الانحياز إلى مسار جديد، يضع مصلحة الصحفيين فوق كل اعتبار، وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل نقابة الصحفيين الموريتانيين، بل ومصداقيتها على المستويين المحلي والدولي.

الأحدث