جدول المحتويات
بعد أسابيع من الاعتداء الخطير الذي استهدف رئيس حزب تجديد الحركة الديمقراطية / "تحدي" الأستاذ يعقوب لمرابط، لم يعد الصمت الرسمي قابلًا للتأويل بوصفه تقصيرًا أو ارتباكًا إداريًا. نحن أمام صمتٍ مُنتِج، صمتٍ يُمارَس بوصفه أداة سياسية قائمة بذاتها، لا تقل أثرًا عن الفعل المباشر. فالدولة، حين تختار ألّا تقول، إنما تقول الكثير: تختار ما يجب أن يُنسى، وما يجب أن يظل بلا مساءلة.
ما جرى يوم 5 أبريل 2026، خلال "مسيرة الكرامة الوطنية"، لم يكن حادثًا معزولًا في سياق متوتر، بل حلقة ضمن نمط آخذ في التشكل. استهداف مباشر، مع سبق الإصرار والترصّد، لشخصية سياسية وحقوقية معارضة، في فضاء سلمي يكفله الدستور، وبوسائل يُفترض أنها محظورة، مع إدراك مسبق لوضعه الصحي الحرج، كل ذلك لا يشي بانفلات، بل بإرادة. الإرادة هنا ليست فقط في الفعل، بل في الرسالة: ترسيم حدود الفعل السياسي، وإعادة تعريف كلفة المعارضة.
غير أن التحول الأخطر لا يكمن في الواقعة، بل في إدارتها. أربعة أسابيع من الصمت، بلا تحقيق مُعلن، ولا مساءلة، ولا رواية رسمية، ليست فجوة، بل بنية. في العلوم السياسية، يُعرف هذا النمط بوصفه "إدارة الغموض": حيث تُترك الوقائع معلّقة عمدًا، بما يسمح بإعادة تشكيلها وفق موازين القوة، لا وفق معايير الحقيقة. الصمت هنا لا يحجب الوقائع فقط، بل يعيد توزيع المسؤولية، ويمنح الفاعلين مساحة للإنكار، ويُدخل الرأي العام في منطقة رمادية تُستنزف فيها القدرة على المطالبة بالمحاسبة.
هذا النمط من الإدارة يحمل ثلاث وظائف أساسية:
أولًا، الحماية: إذ يوفّر غياب التحقيق غطاءً فعليًا للجناة، عبر تأجيل أي مسار للمساءلة.
ثانيًا، التطبيع: فمع مرور الوقت، يتحول الاستثناء إلى سابقة، ثم إلى قاعدة.
ثالثًا، الردع غير المباشر: حيث تصل الرسالة إلى بقية الفاعلين السياسيين دون حاجة إلى إعلانها—المخاطر حقيقية، والحماية غير مضمونة.
وما يزيد خطورة هذا المسار هو اتساع دائرة الصمت. فحين تتردد بعض الأطراف السياسية والحقوقية، وتكتفي بمواقف ملتبسة، فإنها "ولو دون قصد" تُسهم في تثبيت المعادلة نفسها. التردد هنا ليس حيادًا، بل عامل ترجيح في ميزان مختل. أما دوليًا، فإن الاكتفاء بردود باردة يعكس نمطًا مألوفًا في العلاقات الدولية: حيث تُقاس الانتهاكات بوزنها في معادلة المصالح، لا بقيمتها الحقوقية، وهو ما يفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه حين يكون أكثر ما يُحتاج إليه.
إجلاء الرئيس يعقوب لمرابط إلى الخارج للعلاج يكشف حجم الضرر، لكنه يكشف أيضًا محدودية الرواية الرسمية. فحين تتكفل الوقائع نفسها بنقض الخطاب، يصبح الصمت ضرورة سياسية لا خيارًا عرضيًا. إذ كيف يمكن التوفيق بين حدث بهذا الحجم وبين غياب أي مسار للمساءلة؟ هنا يتحول الصمت إلى آلية لإدارة التناقض، لا لتجنّبه. (وهذا ما تم نقاشه بالضبط مع الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، وممثل الأمم المتحدة)
أما التمثيل الدبلوماسي (سفارة موريتانيا في تونس) فإن انكفاءه عن أداء واجبه في لحظة حرجة لا يُقرأ كإخفاق فردي، بل كامتداد لنمط أوسع: تسييس الوظيفة العامة، وربطها بالولاء بدل الالتزام المؤسسي. وحين ينتقل هذا المنطق إلى خارج الحدود، فإنه لا يضعف صورة الدولة فحسب، بل يضرب فكرة الحماية المتساوية لمواطنيها، ولشخصياته الوطنية.
ما تكشفه هذه الوقائع، في مجموعها، هو انتقال من ممارسات متفرقة إلى منطق حكم: قمع يُدار ببرودة، وغموض يُستخدم كأداة، ومساءلة تُؤجَّل إلى أجل غير مسمى. وفي ظل هذا المنطق، لا يعود الخطر في الحدث نفسه، بل في قابليته للتكرار دون كلفة.
لهذا، لم تعد القضية قضية الرئيس يعقوب لمرابط لوحده، بل اختبار بنيوي: هل تظل الدولة إطارًا جامعًا يضمن الحد الأدنى من الحماية المتساوية، أم تتحول إلى فاعل انتقائي يعيد توزيع الأمان وفق الموقع السياسي؟ هذا السؤال لا يُجاب عليه بالبيانات، بل بالمسارات.
والمسار هنا واضح، ومعاييره معروفة: تحقيق مستقل وشفاف، معلن الإجراءات والآجال؛ كشف كامل للوقائع دون انتقائية؛ تحديد دقيق للمسؤوليات، من المنفّذ إلى الآمر؛ ومحاسبة فعلية لا تستثني أحدًا. ما عدا ذلك ليس سوى إدارة للأزمة، لا حلًا لها، وإعادة إنتاج لشروطها.
في لحظات كهذه، لا يكون الصمت حيادًا، بل سياسة. ولا يكون التأجيل تدبيرًا، بل قرارًا. الحقيقة، حين تُؤجَّل، لا تختفي، بل تتراكم ككلفة. والعدالة، حين تُؤخَّر، لا تُحفظ بل تُفرَّغ من معناها. وكل يوم إضافي من دون مساءلة ليس مجرد وقت ضائع، بل رصيد جديد في حساب الإفلات من العقاب.