تخطى الى المحتوى
أحمد الهيبة مامين - طبيب وعضو تنسيقية الصمود الموريتانية

جدول المحتويات

حين اخترت لهذا المقال عنوان "من كرامات الكوفية"، وجدتني أعود، قبل كل شيء، إلى الأستاذ محمد باب سعيد نفسه. لم يكن العنوان مجرد عبارة خطرت لي، بل كان صدى لعبارة أحبها هو، وكتب بها سلسلة من منشوراته بعد محاولتنا الأولى في الطريق إلى فلسطين. لذلك شعرت أن الكتابة عنه بهذا العنوان ليست اختيارا أدبيا فقط، بل عودة إلى لغته، وإلى طريقته في تحويل التجربة إلى معنى، والموقف إلى ذاكرة.

 

ليست الكوفية قطعة قماش توضع على الكتف، ولا شعارا يرفع في الصور، ولا زينة عابرة في مواسم الغضب. الكوفية، حين يحملها الرجال بصدق، تتحول إلى امتحان. تكشف معدن صاحبها، وتفرق بين من يجعل فلسطين عنوانا للخطابة، ومن يجعلها طريقا، وسفرا، وخطرا، ومسؤولية.

 

ومن كرامات الكوفية أنها لا تمنح معناها لمن يضعها على كتفه فحسب، بل لمن يحمل قضيتها في قلبه ومواقفه، ويقبل أن يدفع من راحته ووقته ثمنا لما ترمز إليه. ومن كراماتها أنها تجمع، في لحظة واحدة، بين البعيد والقريب، بين نواكشوط وغزة، بين الصحراء والبحر، بين الكلمة والفعل، وبين المثقف الذي يكتب عن المظلومين، والمناضل الذي يركب البحر من أجلهم.

 

الأستاذ محمد باب ليس مجرد اسم ظهر في خبر اعتراض سفينة أو احتجاز ناشط. إنه من تلك الشخصيات التي يصعب أن نختصرها في صفة واحدة. هو أستاذ وكاتب وباحث، لكنه أيضا مناضل ومثقف موريتاني من طينة نادرة؛ مثقف لا يقيم في برج اللغة، ولا يكتفي بأن يكون شاهدا من بعيد، بل يذهب إلى حيث تمتحن المواقف، ويضع قلمه وصوته، وأحيانا جسده، في مواجهة الظلم.

 

لقد ظل الأستاذ حاضرا في قضايا العدالة، لا على المستوى الوطني وحده، بل على المستوى الإنساني العام. حضر في نقاشات الحرية والكرامة، وفي قضايا المهمشين، وفي نقد الفساد، وفي نصرة فلسطين. وهذه ليست مواقف متفرقة، بل خيط واحد متصل: رفض الإذلال، ورفض القهر، ورفض أن يتحول الإنسان إلى رقم مهمل في آلة السلطة أو المال أو الاحتلال.

 

ومن يقرأ روايته "بلال" يدرك أن هذا الانحياز للإنسان المقهور ليس طارئا في وجدانه. فالرواية، في عمقها، ليست مجرد حكاية فردية، بل كتابة عن الكرامة، وعن آثار العبودية، وعن الجرح الاجتماعي، وعن الإنسان الذي يحاول أن ينتزع حقه في الاسم والصوت والمكان. وفي هذا المعنى، لا تبدو رحلة الأستاذ نحو غزة منفصلة عن عالمه الأدبي والفكري. فالكاتب الذي كتب عن القهر في الداخل، هو نفسه المثقف الذي رفض الحصار في الخارج. والذي رأى في الإنسان المستضعف قضية، لم يكن ممكنا أن يصمت أمام غزة.

 

حتى في القضايا التي تبدو يومية أو محلية، كان الأستاذ محمد باب حاضرا بعين المثقف الذي يربط التفاصيل الصغيرة بالبنية الكبرى للظلم. حين تحدث عن الشاي، لم يكن الأمر مجرد حديث عن عادة موريتانية أو ذوق اجتماعي، بل كان تنبيها إلى علاقة الناس بصحتهم، وببيئتهم. وحين يمر في كتاباته أو مواقفه على صورة الحارس، أو البواب، أو الموظف الصغير الذي يتحول بفعل الفساد إلى عائق أمام المواطن، فإننا لا نقرأ شخصا بعينه، بل نقرأ منظومة كاملة: منظومة تجعل الضعيف يقف طويلا أمام باب، وتجعل الحق محتاجا إلى واسطة، وتجعل الخدمة العامة أحيانا امتيازا لا حقا.

 

هذه القدرة على رؤية المعنى السياسي والأخلاقي في التفاصيل اليومية هي ما يصنع المثقف العضوي الحقيقي. فهو لا ينتظر القضايا الكبرى وحدها كي يتكلم، بل يرى أن الظلم يبدأ أحيانا من باب مغلق، ومن رشوة صغيرة، ومن إهانة عابرة، ومن صمت طويل. ولذلك كان طبيعيا أن يجد الأستاذ نفسه في قلب قضية فلسطين؛ لأن من تمرس على قراءة الظلم في التفاصيل، لا يمكنه أن يعجز عن رؤيته حين يتحول إلى حصار وتجويع وقتل جماعي.

 

حين انطلقت سفن الصمود، لم تكن الرحلة مجرد إبحار نحو شاطئ بعيد. كانت امتحانا لمعنى التضامن. كانت محاولة لقول كلمة بسيطة أمام عالم معقد: إن غزة ليست وحدها. وكان الأستاذ محمد باب واحدا من الذين قبلوا أن يترجموا هذه الكلمة إلى فعل. وحين اعترضت قوات الاحتلال السفن، وحين انقطع الاتصال، وحين صار الخبر قلقا في البيوت والقلوب، ظهر المعنى الأعمق للكوفية: أن تكون مستعدا لدفع ثمن موقفك، ولو كان الثمن عزلة البحر، أو لحظة احتجاز، أو غموض المصير.

 

لا أكتب هذه الكلمات من موقع المتابع البعيد. أكتبها وفي الذاكرة شيء من تلك المحاولة الأولى التي جمعتني بالأستاذ في الطريق نفسه.

 

في تلك التجربة تقاسمنا حلما بسيطا في ظاهره، كبيرا في معناه: أن نمضي، بما استطعنا، نحو غزة. تجاوزنا في طريقنا إيطاليا، ثم تعطل القارب، وتدخلت ظروف البحر والآلة، فتوقف السفر. لكن بعض الرحلات لا تنتهي حين تتوقف في الجغرافيا.

 

ما بقي من تلك المحاولة لم يكن مجرد ذكرى سفر، بل كان درسا في أن الطريق إلى فلسطين يبدأ من قرار داخلي بأن لا يبق الإنسان شاهدا صامتا. يبدأ حين يقبل المرء أن يغادر راحته، وأن يضع صوته ووقته، وربما جسده، إلى جانب المظلومين.

 

لم يكن خبر احتجاز الأستاذ مفاجئا لمن اختار هذه الطريق فهو يدرك أنه لا يخرج في نزهة، وأن الاحتلال لا يخاف من حجم السفن بقدر ما يخاف من معناها: قارب صغير، وقلوب مؤمنة بعدالة القضية، وبوصلة لا تشير إلا إلى غزة.

 

لقد أفرج عن الأستاذ محمد باب، لكن الحكاية ما زالت مستمرة. فالرجل لم يعد إلى بيته ليطوي الصفحة، بل عاد إلى البحر من جديد، أو يكاد، مصرا على ألا تكون المحاولة الأولى ولا الثانية نهاية الطريق. كأن في إصراره رسالة هادئة إلى الاحتلال: قد تعترضون سفينة، وقد تحتجزون رجلا، وقد تؤخرون الوصول، لكنكم لا تستطيعون أن تعتقلوا الفكرة، ولا أن تصادروا البوصلة التي تشير إلى غزة.

 

إن عودة الأستاذ إلى محاولة الإبحار من جديد ليست مجرد تفصيل في سيرة ناشط، بل هي معنى كامل في ذاته. فهي تقول إن الإفراج عن رجل لا يعني الإفراج عن غزة، وإن سلامة المناضل لا تكفي ما دام الحصار قائما، وإن الفرح بعودته يجب ألا يتحول إلى خاتمة مريحة، بل إلى بداية جديدة للوفاء والعمل والتوثيق. علينا أن نكرم هذه التجربة لا بالتصفيق وحده، بل بحفظ الذاكرة، ومواصلة الطريق.

 

ومن كرامات الكوفية أنني حظيت بلقاء الأستاذ، وأنني شاركته تلك المحاولة الأولى في الطريق إلى فلسطين. ومن كراماتها أيضا أن الرفقة في سبيل قضية عادلة لا تنتهي حين يتعطل قارب، ولا حين يتوقف سفر، بل تبقى في الذاكرة دينا أخلاقيا، وشهادة يجب أن تكتب، ووفاء لا يسقط بالتقادم.

الأحدث