جدول المحتويات
"إن أمرنا لعجيب..إنه الحرمان بعينه..نعيش في كنف المسكنة وفي ظل بؤس شديد رغم أن جل خيرات البلد تمر بين ظهرانينا كل يوم؛ حيث تشق الشاحنات المحملة بالبضائع والمواد الغذائية طريقها من داخل الحي كل صباح متجهة إلى العاصمة بل وإلى بعض الدول المجاورة.."
بتلك العبارات.. وبنبرة خافتة وصوت مهزوز تلخص السبعينية جمبت بنت موسى ظروف الساكنة في "حي الورف" الفقير الذي يقع في الطرف القصي من العاصمة نواكشوط على طريق الميناء وبالقرب من "الحي الصناعي" بالمدينة.
فقر مدقع
حال "جمبت" لايختلف كثيرا عن غيرها من بيوت الحي التي أنهكها الجوع والعطش وخيم البؤس على محيا كل فرد من أفرادها، حيث يقبعون في ظل الدخان المنبعث من فوهات المصانع التي تنفث عليهم سمومها وأوبئتها بين كل حين وآخر، يقتاتون من عرق جبين و أكتاف أبنائهم الذين يعمل أغلبهم حمالة في الميناء بثمن بخس يصرح أكثرهم أنه لايسمن ولا يغني من جوع؛ لأن المعاناة التي يقاسونها بفعل الفقر المدقع الذي يكبلهم تفاقهم المأساة أكثر..
ضعف الحيلة وقلة ذات اليد وانعدام أبسط مظاهر العيش الكريم وغياب أفق لتحسن هذه الوضعية هي أبرز الصفات التي يجمع أبناء وبنات "الورف" على انطباقها الدقيق على وضعيتهم، في ظل تجاهل رسمي مستمر لمستقبل هذه الشريحة المهمشة التي تقطن هذا الحي المنسي.
نهار بلا رجال
يبدو حي الورف للداخل إليه أول مرة كحظيرة لحجز المسنات والعجزة، حيث يختفي كل الرجال والشباب الذين يغدون كل صباح بحثا عن مكان يجلبون منه قوت عيالهم، أو على الأقل يخففون عن أنفسهم عبء مشاهدة الأبناء وهم يتضاغون جوعا.
وعندما سألنا إحدى نساء الحي عن مكان رجل من أهل الحي يمكن أن نتحدث إليه عن أوضاع الحي وظروف ساكنته أجابتنا المسنة "المكبولة بنت محمد" قائلة: أين أنتم؟ أي حي هذا؟ وأي شهر هذا؟ أتعجبون من اكتظاظ الأكواخ وازدحامها كحوت الساردين، ومن ظروفنا المأساوية التي لو عاشها الفقر لمات جوعا؟
أنتم في حي الورف البائس..في شهر رمضان الكريم..وأنا مسنة أعيل خمس بنات وابن واحد يعاني من "الجنون"..الله وحده يعلم حالنا..ولا نرجوا إلا إياه..أنا الآن أقتات في اليوم التاسع من رمضان على بقية صدقة أتاني بها بعض الشباب من خارج الحي تتمثل في: نصف كلغ من الحليب المجفف و 1 كلغ من التمر وقنينة من الزيت، وأنا أتصرف فيها برشاد وانطلاقا من ظروف الأسرة، وقد أشرفت الكمية على النهاية..
بعد كل تلك الأسئلة تبقى "المكبولة" قانعة بالوضعية الصعبة التي تعيشها، وتعتبر أنها ما دامت بصحة جيدة فكأنما حيزت لها الدنيا بحذافيرها.
مطالب معلقة
رغم مايعانيه ساكنة الحي من ألم ومأساة وفقر إلا أنهم لا يجمعون على شيء من المطالب مثل إجماعهم على ضرورة وفاء السلطات بتعهداتها المتكررة بتخطيط الحي وتوفير أرض صالحة للسكنى بعيدا عن أزيز الشاحنات وانبعاثات المصانع والمصائب المتكررة بفعل الأسلاك الكهربائية التي كثيرا ما حولت براءة الحي الوديع إلى حجيم لايطاق.. جراء الحرائق والصعق الذي قد يصيب بعض أبناء الحي بين الفينة والأخرى.
وبعد الحديث ذلك المطلب الملح، والذي ظل معلقا لفترة طويلة من الزمن..تأتي بقية المطالب الأخرى التي يعتبرها قاطنة "الورف" حقوقا بسيطة يستحقونها على الدولة من قبيل توفير الماء والكهرباء بصفة رسمية وتقديم مد يد العون للضعفاء والمعوزين من شيوخ الحي…
وبغض النظر عن التفاؤل الذي يبديه عدد من شيوخ الحي ومسنيه فإن التشاؤم يفوح من أفواه الشباب الذين يطلقون أنات الآلام مع كل زفرة تقذفها أنفاسهم وهم يتحدثون عن واقع الحي الصعب.