تخطى الى المحتوى

ثقافة الخلاف أم فوضى الخصومة؟

بقلمأحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

في زمنٍ تحوّلت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحاتٍ مفتوحة لكل أشكال التعبير، لم يعد أكثر مايثير القلق هو اختلاف الآراء بحد ذاته، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاففما نشهده اليوم، خصوصاًعلى هذا الفضاء الأزرق، يكشف تراجعاً واضحاً في أخلاق الحوار وانحداراً في مستوى النقاش، حتى غدتبعض المساحات التي كان يُفترض أن تكون منابر للفكر والتبادل الراقي، ساحاتٍ للتجريح الشخصيوتفريغ الاحتقان والانتصار للأهواء.

لقد تحوّل الخلاف عند البعض من وسيلةٍ للبحث عن الحقيقة إلى معركة لإثبات الذات، ومن نقاشٍللأفكار إلى تصنيفٍ للأشخاص، ومن مواجهةٍ للحجة بالحجة إلى سيلٍ من السخرية والبذاءة والتخوينوكأن الرأي المخالف لم يعد اجتهاداً يُناقش، بل خصومة تستوجب الإلغاء والإهانة.

والحال أن الاختلاف ليس عيباً في ذاته، بل هو سنة بشرية وطبيعة ملازمة لكل مجتمع حي

وقد أدرك كبار المفكرين والعلماء هذه الحقيقة منذ قرونيقول الإمام الشافعي“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، وهي عبارة تختصر أرقى معاني التواضع الفكري، وتؤسس لفكرة أن الحقيقة لا يحتكرها أحد مهما بلغ علمه أو مكانته.

كما قال الإمام مالك“كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، مشيراً إلى النبي ﷺ، في تأكيد عميق على أن العصمة ليست للبشر، وأن الاختلاف في الفهم والاجتهاد لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو تقديس للآراء.

لقد عرف تاريخ الفكر والعلم نماذج راقية في الاختلاف؛ كان العلماء يتجادلون في أعقد المسائل، ثم يخرج بعضهم لبعض بمزيد من الاحترام والتقدير، لأن الغاية لم تكن الانتصار للنفس، وإنما الوصول إلى الحقيقةأما اليوم، فقد أصبح بعض الناس يدخلون النقاش بعقلية المقاتل لا بعقلية الباحث،فيتعاملون مع كل رأي مخالف باعتباره تهديداً شخصياً لا فكرة تستحق التأمل.

ومن هنا يبدأ التعصب، وتبدأ المكابرة، ويتراجع صوت العقل أمام ضجيج الانفعالوقد لخّصالفيلسوف الفرنسي فولتير هذا المعنى في العبارة الشهيرة المنسوبة إليه“قد أختلف معك في الرأي،لكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في التعبير عنه”وسواء صحت العبارة حرفياً أم لا، فإنها تعكس ووحاً فكرية ترى أن احترام حق الآخر في التعبير جزء من احترام الإنسان نفسه.

إن قوة الإنسان لا تظهر في ارتفاع صوته، ولا في قدرته على السخرية من مخالفيه، بل في قدرته على الإنصات واحترام المختلف ومراجعة قناعاته متى ظهرت له الحجة الأقوىفالحقيقة لا تُقاس بمن انتصر في الجدل، وإنما بمن كان أكثر صدقاً وتجرداً في البحث عنهاوقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى أن “القابلية للاستعمار تبدأ حين يفقد المجتمع مناعته الأخلاقية والفكرية”، ولا شك أن من مظاهر هذا الفقدان انهيار ثقافة الحوار وسيطرة التعصب والانفعال.

والمؤسف أن كثيراً من النقاشات في عصرنا لم تعد تهدف إلى الإقناع بقدر ما تهدف إلى جمع التصفيقوتحقيق الانتصار الجماهيري، حتى لو كان الثمن سقوط الأخلاق وتحويل الحوار إلى فوضى من الشتائموالاتهاماتوهنا يفقد النقاش قيمته الفكرية، ويتحول إلى مجرد صراع عبثي لا ينتج وعياً ولا يبنيمجتمعاً.

وقد نبّه المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى خطورة العقل الذي يتحول من أداة للفهم إلى أداةللتبرير، حين يصبح الإنسان أسيراً لأفكاره المسبقة غير قادر على مراجعتها أو نقدهافالعقل الحقيقي ليس ذلك الذي ينتصر دائماً، بل الذي يمتلك شجاعة مراجعة ذاته.

إن المجتمعات الراقية ليست تلك التي تختفي فيها الخلافات، بل تلك التي يعرف أفرادها كيف يختلفون دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وكيف يناقشون دون أن يهينوا، وكيف ينتصرون للحقيقة لا لأنفسهمفالرأي المخالف لا يسلب صاحبه احترامه، والاختلاف لا ينبغي أن يفسد أخلاق الناس ولا يبرر سقوطهمفي مستنقع الإساءة.


ويبقى الرقي الحقيقي في أن نتعلم أدب الخلاف قبل أن نتحدث عن حرية الرأي، وأن ندرك أن الحجةالقوية لا تحتاج إلى بذاءة، وأن الفكرة الواضحة لا تخشى النقاش، وأن أكثر الناس احتراماً ليس من يربحكل جدال، بل من يمتلك شجاعة الاعتراف بالحق حين يتبين له، دون مكابرة أو تعصب أو انتصارٍ أعمىللنفس.

الأحدث