تخطى الى المحتوى

كيفه بين كشف الخلل وجرأة الإصلاح: زيارة والي ولاية لعصابة تفتح ملف الانضباط في المستشفى

محمد محمد المختار

جدول المحتويات

ليست الأزمة في أن تكشف الحقائق، فالحقيقة في حد ذاتها لا تربك المجتمعات السليمة، ولا تقلق المؤسسات التي تقوم على الانضباط والشفافية. 

 

الأزمة الحقيقية تبدأ حين يصبح الخلل جزءا من المألوف، وتتحول المخالفة إلى سلوك عادي، ثم يطلب من الجميع التعايش معه بصمت، وكأن الإصلاح هو الاستثناء لا القاعدة.

 

زيارة والي ولاية العصابة إلى مستشفى كيفه جاءت في لحظة حساسة لتعيد ترتيب الأسئلة المؤجلة، لا لتخلق أزمة جديدة كما يحاول البعض تصويرها، بل لتضع الإصبع على مكمن الداء الذي يعرفه المواطن قبل المسؤول، ويعيشه قبل أن يكتب في التقارير. 

 

فقد برزت معطيات واضحة تتعلق بواقع الانضباط داخل المرفق الصحي، وفي مقدمتها تغيب عدد من الأطباء وعدم الالتزام الصارم بأوقات الدوام، وهو أمر لا يمكن التعامل معه كخطأ فردي معزول، بل كمؤشر على خلل أعمق في منظومة الخدمة العمومية ذاتها.

 

إن المستشفى، في أي دولة تحترم نفسها، ليس مجرد بناية إدارية تفتح وتغلق وفق مزاج الأفراد، بل هو خط دفاع أول عن حياة الإنسان، حيث لا يحتمل التأخير ولا الغياب ولا التساهل. فكل دقيقة إهمال في هذا السياق قد تعني ألما مضاعفا لمريض، أو تأخرا في إنقاذ حالة حرجة، أو فقدان فرصة علاج كانت ممكنة لو توفرت الجاهزية المطلوبة. 

 

لذلك فإن الحديث عن الانضباط داخل المستشفى ليس ترفا إداريا، بل مسألة حياة أو موت بالمعنى الحرفي للكلمة.

 

من هنا، كان من الطبيعي أن تفهم زيارة الوالي على أنها خطوة رقابية تهدف إلى تشخيص الواقع ميدانيا، بعيدا عن المجاملات أو الصورة المثالية التي قد لا تعكس الحقيقة كاملة. 

 

غير أن ما يثير الانتباه في مثل هذه اللحظات ليس فقط حجم الاختلالات المكتشفة، بل طبيعة ردود الفعل التي تعقبها، حيث ينقسم الخطاب العام بين من يرى في كشف الخلل بداية إصلاح، ومن يتعامل معه وكأنه تهديد يجب احتواؤه أو التقليل من شأنه.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: بدل أن يكون النقاش منصبا على جوهر المشكلة، أي غياب الانضباط وتراجع الالتزام المهني، يتحول أحيانا إلى جدل جانبي حول نوايا من قام بالتفتيش أو حدود صلاحياته، وكأن المشكلة ليست في الواقع نفسه، بل في من أشار إليه. هذه المقاربة لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة، لأنها تبقي الخلل بعيدا عن المساءلة، وتمنحه مساحة للاستمرار تحت غطاء التأويل والتبرير.

 

إن ما يعانيه مستشفى كيفه في هذا السياق لا يمكن فصله عن إشكالية أوسع تتعلق بثقافة العمل داخل بعض المرافق العمومية، حيث يتراجع مفهوم الالتزام ليحل مكانه منطق التساهل، وتضعف قيمة الوقت المهني، ويتحول الحضور أحيانا إلى شكل رمزي لا يعكس فعالية حقيقية. 

 

وفي مثل هذه البيئة، يصبح الإصلاح مهمة شاقة، ليس لأن الحلول غير موجودة، بل لأن الإرادة الجماعية لتطبيقها تواجه مقاومة ناعمة لكنها فعالة، تقوم على التبرير والتقليل من أهمية المشكلة.

 

 

إن أخطر ما يواجه أي مشروع إصلاحي ليس فقط وجود تقصير في الأداء، بل وجود منظومة فكرية تعيد تعريف التقصير بوصفه أمرا قابلا للتفهم أو التغاضي. فحين يصبح غياب الطبيب أمرا يمكن تبريره بسهولة، ويتحول عدم احترام الدوام إلى "تفصيل إداري"، فإننا نكون أمام خلل في ترتيب القيم قبل أن يكون خللا في الإجراءات. 

 

وفي هذه الحالة، لا تكفي القرارات وحدها، بل يحتاج الأمر إلى إعادة ترسيخ لفكرة المسؤولية نفسها.

 

الوظيفة العمومية، وخاصة في قطاع الصحة، ليست امتيازا يمارس وفق المزاج، بل التزام يومي تجاه مجتمع كامل. والطبيب الذي يتغيب لا يخل فقط بواجب إداري، بل يترك فراغا قد ينعكس مباشرة على مريض لا يعرف لماذا لم يجد من يستقبله في الوقت المناسب.

 

وهنا تتحول المسؤولية من مجرد نص قانوني إلى واجب أخلاقي وإنساني لا يقبل التأجيل أو التفسير الفضفاض.

 

إن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الخطابات، ولا على ردود الفعل الآنية، بل على تحويل الانضباط إلى قاعدة ثابتة لا استثناء فيها، وعلى جعل المحاسبة جزءا طبيعيا من العمل الإداري، لا حدثا استثنائيا. 

 

وفي غياب ذلك، تبقى كل الجهود الإصلاحية محدودة الأثر، لأنها تصطدم بثقافة أعمق من القرار نفسه، ثقافة تتسامح مع الخطأ أكثر مما تتسامح مع من يكشفه.

 

إن ما تحتاجه كيفه اليوم ليس مزيدا من النقاش حول الأشخاص، بل وضوحا في مواجهة الظاهرة: هل نريد مرفقا صحيا يعمل بمعايير مهنية واضحة، أم نريد استمرار حالة التراخي التي يدفع ثمنها المواطن يوميا؟ بين الخيارين، لا توجد منطقة رمادية طويلة الأمد، لأن الفوضى حين تترك بلا تصحيح تتحول تدريجيا إلى نظام بديل يفرض منطقه على الجميع.

 

وفي النهاية، تبقى زيارة الوالي مجرد محطة في مسار أطول، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في أنها أعادت طرح السؤال الصحيح: كيف نعيد للمرفق العمومي هيبته؟ وكيف نجعل من الالتزام قاعدة لا شعارا؟ لأن الإصلاح، في جوهره، ليس قرارا يعلن، بل سلوك يمارس، ومحاسبة تطبق، وإرادة لا تساوم على حق المواطن في خدمة تليق به.

الأحدث