تخطى الى المحتوى
عبد الله ولد زاگه

جدول المحتويات

مساءَ يومِ الثامنِ من أبريل سنةَ 2019، انطلقنا من مدينة تامشكط، التي وصلناها قبل يومين، مساهمةً في التعبئة والتحسيس لاستقبال مرشح الإجماع الوطني، فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؛ متجهين إلى بلدية لخشب، ومنها إلى مدينة تيشيت.

 

بعد صلاة العصر، أخذت السيارات تشقُّ سكون الصحراء في اتجاه الباطن مرورًا بوديان "بو ابليعين" ذات الأشجار الكثيفة الوارفة؛ الطلح والسدر والعوسج والسَّلَم (التمات) والسرح (آتيل)؛ كان الربيع قد بسط رداءه، فتضوع المكان بعبير الزهور، وكأن الطبيعة نفسها تتهيأ لاستقبال حدث استثنائي.

 

عبر "تيارت تاسكاست" — ذلك المنخفض الرملي الممتد كقناةٍ بين الكثبان لمسافة تناهز سبعين كيلومترًا — واصلنا المسير نحو باطن جبال تكانت الشامخة، آمنين من التيه في بحور آوكار الذهبية؛ وكانت رحلةً أولى من نوعها لنا بين تامشكط وتيشيت، جمعت بين مشقة الطريق وروعة المنظر؛ فبقيت في الذاكرة علامةً فارقة.

 

بتنا ليلتنا في قرية باميرا الوادعة، ومع انبلاج الفجر شددنا الرحال نحو لخشب، التي لا تفصلنا عنها جغرافيًا سوى عشرين كيلومترًا، غير أن تضاريس الجبال تفرض مسارًا يناهز السبعين عبر "ممر أم اذنيبه". وكان الحديث عن مشروع فتح ممر جبلي مباشر بين لخشب والباطن حاضرًا في أذهان الأهالي، لما يحمله من أملٍ في فك العزلة وفتح آفاق التنمية لمنطقةٍ غنيةٍ بالمياه والمراعي وسباخ آمرسال، خاصةً في ظل وجود دراسة فنية أعدتها وزارة التجهيز والنقل سنة 2017.

 

وصلنا لخشب قرابة الحادية عشرة صباح التاسع من أبريل، بعد مكابدة طريقٍ تبتلع رماله المركبات، غير أن عزيمة الرجال كانت أصلب من وعورة المسالك؛ أمضينا يومنا هناك في تنسيق الجهود، ثم انطلقنا مساءً نحو تيشيت عبر طريقٍ شديد الوعورة، تختزن تضاريسه حكايات الصبر والتجلد التي طبعت أهل هذه الحاضرة العلمية العريقة؛ وصلنا في حدود الرابعة فجرًا، وقد بلغ منا التعب مبلغًا مضنيًا، لكن الحماس كان أقوى من الإرهاق.

 

مع إشراقة الصباح، بدأت الاجتماعات لتنسيق استقبالٍ يليق بمرشح الإجماع الوطني، اللقب الذي استحقه عن جدارة منذ خطاب ترشحه فاتح مارس 2019، حيث التفّت حوله مختلف القوى الوطنية؛ وقبيل ظهر العاشر من أبريل، أخذت الجماهير تتقاطر إلى مدرج مطار تيشيت، حتى خُيّل للناظر أن المدينة بأسرها قد خرجت عن بكرة أبيها لاستقباله ؛في حدود السادسة مساءً، حطّت الطائرة قادمةً من مدينة ولاته، ونزل منها المرشح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يرافقه السيد محمد أحمد محمد الأمين، وزير الداخلية الحالي ؛ كان مشهد المصافحة مع الجماهير لوحةً وطنيةً صادقة امتزج فيها الوفاء بالأمل.

 

في ساحة المهرجان، صدح بالخطاب مؤكدًا المكانة التاريخية والحضارية لمدينة تيشيت، مشيدًا بصبر أهلها وثباتهم في وجه قسوة المناخ وصعوبة المسالك، ومؤكدًا عزمه على أن تنال نصيبها من المشاريع التنموية والاجتماعية والثقافية؛ وقد تحقق من تلك الوعود الكثير، وما زال الأمل معقودًا على المزيد في ظل رؤيةٍ إصلاحيةٍ متدرجةٍ ومسؤولة.

 

ورد صوفي..

بعد وصوله إلى مقر إقامته، وانقضاء صلاة المغرب، آثر الرئيس جانبًا هادئًا من ساحة الإقامة، حيث جلس متفرغًا لورده من القرآن والأذكار، في مشهدٍ يعكس عمق تربيته الروحية؛ وهو ابن بيئةٍ علميةٍ صوفيةٍ عُرفت بإسهامها في نشر قيم الاعتدال والعلم في ربوع الوطن، وعند إقامة صلاة العشاء، تقدّم فصلى مع الجماعة، وانتهزتُ الفرصة للسلام عليه، وكانت تلك مصافحتي اليتيمة لفخامة الرئيس، ولا زلت أنتظر أخرى.

 

لقد كانت تلك الزيارة أكثر من محطة انتخابية؛ كانت تجديدًا لعهد الثقة بين القيادة والشعب، وتجسيدًا لرهانٍ وطنيٍّ على مشروعٍ جامع، نرى فيه سبيلًا لتعزيز الاستقرار وترسيخ دولة المؤسسات، والمضي قدمًا نحو تنميةٍ متوازنةٍ تشمل الحواضر والبوادي على حد سواء.

 

لقد ظلت مقاطعة تيشيت حاضرةً في ذهن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعد انتخابه؛ وقد حضرتُ شخصيًا اجتماعين جمعاه بأهلها، أكد فيهما أنه يكنّ للمنطقة وأهلها تقديرًا خاصًا وإعجابًا صادقًا؛ تقديرًا لصبرهم الأسطوري في مواجهة قسوة الطبيعة، واعتزازًا بالإشعاع الثقافي والحضاري الذي اضطلعت به تيشيت عبر القرون، حتى غدت مناراتها العلمية عنوانًا على عمق الجذور وثراء الموروث.

 

وخلال زيارته الأخيرة لولاية الحوض الشرقي، عاد فخامة الرئيس ليجدد ذلك التقدير؛ فضرب بأهل تيشيت المثل في الصبر والتضحية، مؤكدًا أن الحكومة لن تألو جهدًا في سبيل تذليل صعوبات طريق تيشيت، ورفع ما يحيط بها من تحديات تنموية، إيمانًا بعدالة مطالب سكانها وحقهم في فك العزلة، وتعزيزًا لفرص التنمية.

 

ولا شك أن أهل تيشيت ما يزالون على العهد ذاته من الاندفاع والحماس في دعم فخامته، مستمسكين بخيارهم الوطني، ومعلقين آمالهم على مزيدٍ من الإنصاف والإنجاز وترفيع الأطر، بما يرسخ مكانة مدينتهم التاريخية ويمنحها ما تستحق من عنايةٍ ورعاية في مسار البناء الوطني الشامل.

الأحدث