جدول المحتويات
تشارف تجربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الوصول إلى محطتها الختامية، وهي لحظة مكاشفة يحاول فيها الموريتانيون قراءة ما وراء "الرجل الغامض".
فبين بدايات بشرت بعهد من الهدوء والانفتاح، ونهايات تتسم بالارتباك في الملفات الحقوقية والخدمية، يبدو أن الصورة التي رُسمت بعناية طوال سنوات بدأت تواجه اختبارات قاسية على أرض الواقع.
وقد يجد المتابع للمشهد الموريتاني نفسه أمام لوحة معقدة الألوان؛ فالبدايات التي اتسمت بـ"غموض إيجابي" وهدوء دبلوماسي، بدأت تخلي مكانها لواقع سياسي واقتصادي أكثر حدة، يراه البعض تكشفاً لملامح لم تكن واضحة في "رجل التهدئة".
الحوار السياسي.. "نهاية البداية" المتعثرة
كان الحوار الوطني الشامل هو "درة التاج" في وعود النظام لترميم البيت الداخلي، لكن المسار انتهى بـ"نهاية البداية" قبل أن تطأ أقدام المتحاورين قاعات الجلسات.
شبح "المأموريات" والترتيبات السياسية المحيطة بها كان حجر العثرة الذي أوقف عجلة الحوار، مما حوله من مشروع وطني جامع إلى مجرد "مناورة" لاستنزاف الوقت، تاركاً القضايا الجوهرية معلقة في مهب التجاذبات.
الضبابية التي لفت أهداف الحوار الوطني لم تكن عفوية، فبينما ترك الرئيس الغزواني الباب موارباً بتصريحه الشهير أنه "لا يستثني موضوعاً"، كان الصمت الرئاسي يخفي خلفه صراعاً صامتاً حول "قدسية المواد المحصنة".
وفيما يبدو ظاهرياً كاحترام للمؤسسات، فإن تعهد الرئيس بتطبيق ما يتفق عليه الفرقاء (أغلبية ومعارضة) وضع الكرة في ملعب "توازنات القوى" لا "المبادئ الدستورية".
هذا الموقف "الحيادي" للرئيس قرأه الخصوم كضوء أخضر ضمني للأغلبية التي لم تخفِ رغبتها في طرح مراجعة المأموريات على الطاولة، مما حول الحوار من منصة للإصلاح الهيكلي إلى "فخ سياسي" يهدف لتشريع تمديد البقاء تحت غطاء "الإجماع الوطني".
إن الهروب من تحديد سقف واضح للحوار، جعل من قضية المأموريات "احنش منت اسطيلي، وهو ما أدى في النهاية إلى وأد الجلسات في مهدها، بعدما أدركت المعارضة أن "نهاية البداية" قد تكون في الواقع بداية النهاية لترسيخ التداول السلمي على السلطة.
الفوضى العقارية: "الدولة الموازية" وتغول السماسرة
يظل الملف العقاري هو الجرح الغائر في خاصرة هذه المأمورية، فرغم شعارات "العصرنة"، لا يزال السماسرة هم الحكام الفعليون للأرض في موريتانيا.
المواطن البسيط يواجه حرباً ضروساً يقودها سماسرة محترفون يبيعون "الأوهام الورقية" والمخططات المتداخلة، مما جعل ملكية الأرض مغامرة غير مأمونة العواقب.
تكتفي وزارة الإسكان ووزارة العقارات بدور "المتفرج" أو "المعقب" البطيء، حيث تغيب الرقابة الصارمة، وتضيع الحقوق بين تشابك الصلاحيات وتعدد المخططات، مما حول العاصمة إلى غابة من النزاعات التي تهدد السلم الأهلي وتكشف عجز الدولة عن حماية أبسط حقوق المواطنة "الحق في السكن الآمن".
حرية التعبير وقانون الرموز: السير وسط حقول الألغام
في الأمتار الأخيرة من المأمورية، بدا أن "صدر السلطة" الذي كان رحباً قد بدأ يضيق، فقد سجلت الساحة الإعلامية تراجعاً مقلقاً من خلال:
1. مضايقة الصحفيين: تحول النقد الموضوعي إلى "مخاطرة" قانونية، حيث يجد الصحفي نفسه تحت طائلة المساءلة أو التضييق لمجرد كشفه لمواطن الخلل.
2. قانون الرموز: أصبح هذا القانون بمثابة "سيف" مسلط على الرقاب، حيث يُستخدم أحياناً لتكميم الأفواه تحت تأويلات مطاطة تخدم حماية المسؤول لا حماية الرمز، مما أوجد حالة من الرعب الفكري والرقابة الذاتية.
سجن البرلمانيين: انتكاسة اللحظة الأخيرة
بينما كان المراقبون ينتظرون اختتام هذه المرحلة بتكريس الحريات كإرث سياسي للرئيس، جاءت التطورات الأخيرة لتعيد للأذهان صوراً من "القبضة الأمنية" التي اعتقد الكثيرون أنها ولت.
لا يختلف اثنان على أن العبارات التي تلفظت بها النائبتان مريم الشيخ وقامو عاشو قد توصف بالنابية أو القاسية، بل إنني لا أميل لتزكية هذا القاموس؛ لكن الإنصاف يقتضي التذكير بأن هاتين النائبتين، طالما رددتا طيلة سنوات مأمورية الغزواني عبارات مماثلة، بل وأكثر حدّة في نقد النظام، ولم تتحرك ضدهما آلة السجن.
هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول دوافع التراجع: هل هو استشعار بضعف معين أم رغبة في إعادة رسم حدود "النقد المسموح" قبل الدخول في استحقاقات جديدة؟
إن تجريم ما كان يُغض الطرف عنه بالأمس، والسرعة في الاحتجاز دون المرور بـالمسطرة القانونية لرفع الحصانة، يبعث برسالة سلبية مفادها أن "الانفتاح" كان مجرد تكتيك للمرحلة، وليس استراتيجية ثابتة للدولة.
الإرث على المحك
إن مأمورية الغزواني، التي بدأت بـ"الغموض والتهدئة"، تميل في آخر أيامها إلى منعرج "التأزيم" والمضايقة وهي صفات لا تناسب الإرث التوافقي الذي حاول النظام بناءه طوال سنوات.
فبين فوضى عقارية تلتهم مدخرات الضعفاء، وجهاز إداري يمارس الانتقائية في دعم الفقراء، ومناخ حقوقي يضيق بالرأي الآخر، يجد النظام نفسه مطالباً بمراجعة شاملة.
فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالمسكنات المالية ولا بالقبضة الأمنية، بل بدولة المؤسسات التي تحمي الأرض، وتصون العرض، وتضمن للصحفي والبرلماني والمواطن البسيط حقهم في الكلام والعيش دون خوف من "قانون" أو "سمسار".