جدول المحتويات
أتابع، كغيري من المهتمين بالشأن الوطني، مشاهد إحياء الناصريين في موريتانيا لذكرى شهدائهم، تلك المناسبة التي ظلوا أوفياء لها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. غير أنها، في نظري، ليست مجرد وقفة رمزية لاستحضار الأسماء والوجوه، بل لحظة تأمل ثقيلة بالدلالات، تُعيد فتح أسئلة مؤجلة أكثر مما تقدّم أجوبة جاهزة. وبين صور الوفاء وذاكرة التضحيات، يتسلل سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا بقي من الناصرية اليوم؟ وأين يقف هذا التيار في مشهد سياسي تبدلت ملامحه بعمق؟
من هذه الزاوية، لا أكتب هذا المقال من موقع المراقب البعيد، بل من موقع الانشغال بما تعنيه هذه اللحظة، وما تختزنه من مفارقة بين تاريخ مثقل بالرمزية، وواقع يفرض إعادة النظر. فبين زمن كانت فيه الناصرية عنواناً لحلم عربي واسع، وزمن أصبحت فيه تبحث عن موقع داخل تعقيدات الواقع الوطني، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة، ولكن صريحة، لما كان… وما يمكن أن يكون.
ليس من السهل قراءة واقع التيار الناصري في موريتانيا خارج سياقه التاريخي، ولا فهم انقساماته الحالية دون استحضار مساره الطويل منذ نشأته. فهذا التيار، الذي ولد في ستينيات القرن الماضي متأثراً بخطاب الزعيم جمال عبد الناصر وأطروحاته القومية، لم يكن مجرد تنظيم سياسي، بل تعبيراً عن لحظة عربية كبرى حملت طموح الوحدة والتحرر والسيادة الوطنية. غير أن الزمن الذي صنع الناصرية لم يعد هو الزمن الذي تعيش فيه اليوم، إذ تغيرت السياقات وتبدلت الأولويات، وبات التيار مطالباً بإعادة تعريف ذاته أكثر من أي وقت مضى.
نشأ التيار الناصري في موريتانيا في بيئة سياسية مغلقة، حيث عمل لسنوات طويلة في السر قبل أن يظهر إلى العلن، متجذراً في الوسط الطلابي والنخبوي. ومع بداية التعددية الحزبية مطلع التسعينيات، وجد نفسه أمام واقع جديد يفرض الانتقال من العمل السري إلى الفعل السياسي العلني. وفي هذا السياق، ساهمت مجموعة من الناصريين في تأسيس حزب التحالف الشعبي التقدمي، باعتباره إطاراً يسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية من موقع قانوني ومنظم، كما رأوا فيه فرصة لدمج المرجعية القومية مع قضايا العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات المهمشة. غير أن هذا الخيار لم يكن محل إجماع داخل التيار، إذ اعتبره البعض تكيفاً ضرورياً مع المرحلة، بينما رآه آخرون بداية تراجع عن الصيغة الناصرية الصلبة، وهو ما ساهم تدريجياً في بروز تباينات داخلية ستتسع لاحقاً.
ومع تعمق التحولات السياسية، لم يعد التيار الناصري إطاراً موحداً، بل تحول إلى فسيفساء من المواقع والخيارات، بين من اختاروا التموقع داخل السلطة أو بالقرب منها، ومن تمسكوا بخط المعارضة، ومن فضلوا البقاء في موقع الاستقلال الفكري. هذا التعدد لم يكن مجرد اختلاف تكتيكي، بل عكس أزمة أعمق تتعلق بغياب مركز تنظيمي جامع، وبتآكل المشروع السياسي الموحد الذي كان يشكل في السابق مرجعية مشتركة.
ومن الزوايا اللافتة أيضاً أن الحضور الناصري لم يختفِ بقدر ما أعاد توزيع نفسه داخل المشهد السياسي، حيث أصبحت هناك أطر فكرية وكفاءات ناصرية فاعلة في مختلف القوى السياسية الوطنية، سواء في الموالاة أو المعارضة أو في التيارات المستقلة. فالكثير من الفاعلين الذين تشكّل وعيهم السياسي على أدبيات جمال عبد الناصر ما زالوا يحملون بصمته الفكرية، حتى وإن اختلفت مواقعهم التنظيمية وخياراتهم السياسية. وهذا الانتشار يمنح التيار نوعاً من الحضور غير المباشر، لكنه في الوقت ذاته يضعف إمكانية تجميعه في إطار موحد، لأن هذه الكفاءات أصبحت جزءاً من مشاريع سياسية متعددة، ترتبط بحسابات وسياقات مختلفة. وهنا تتجلى مفارقة واضحة: حضور واسع في الخطاب والممارسة، يقابله غياب كيان جامع قادر على تحويل هذا الحضور إلى قوة سياسية منظمة.
وفي خضم هذا التشتت، يبرز طرحٌ لا يخلو من وجاهة، مفاده أن الناصريين الذين حافظوا على خط مستقل، بعيداً عن الاستقطاب الحاد بين الموالاة والمعارضة، قد يكونون الأكثر أهلية لقيادة أي محاولة جادة لإعادة لمّ شمل التيار أو على الأقل إطلاق إطار تنسيقي وطني يجمع مختلف مكوناته. فهؤلاء، بحكم موقعهم الوسطي، لا تثقلهم حسابات السلطة ولا تقيدهم التزامات المعارضة، ما يمنحهم هامشاً أوسع للحوار وبناء الجسور بين الأطراف المتباعدة. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكلوا نواةً لفضاء تواصلي دائم، يُعيد ربط ما انقطع بين الفاعلين الناصريين، ويمهّد - إن توفرت الإرادة - لبلورة حد أدنى من القواسم المشتركة، بعيداً عن منطق الاصطفاف، وقريباً من فكرة إعادة بناء التيار على أسس أكثر واقعية وانفتاحاً.
وعلى الرغم من أن فكرة توحيد التيار الناصري تحت عنوان واحد تبدو ممكنة نظرياً، بل ومطلوبة في ظل تراجع وزنه السياسي، فإن تحقيقها عملياً يصطدم بجملة من العوائق، في مقدمتها تضارب المصالح بين مختلف مكوناته، واختلاف القراءات الفكرية للناصرية نفسها، فضلاً عن ضعف البنية التنظيمية وغياب قيادة جامعة. كما أن التحولات الاجتماعية، خاصة تراجع الدور التقليدي للوسط الطلابي، ساهمت في تقليص القاعدة التي كان يعتمد عليها هذا التيار تاريخياً.
أما العلاقة مع التيار البعثي، فرغم ما عرفته من تقاطعات تاريخية في بعض المراحل، خاصة في سبعينيات القرن الماضي، فإنها لم تفضِ إلى اندماج دائم، بفعل اختلاف المرجعيات والتجارب، فضلاً عن التنافس الذي طبع العلاقة بين المدرستين على المستوى العربي. واليوم، قد تبدو فكرة إنشاء إطار قومي عربي مشترك أكثر إلحاحاً من حيث المبدأ، لكنها تواجه واقعاً جديداً يتمثل في تراجع حضور الخطاب القومي لصالح قضايا داخلية أكثر إلحاحاً، مثل التنمية والعدالة الاجتماعية وإدارة التنوع الوطني.
وفي العمق، يظل السؤال الأهم مرتبطاً بمدى حاجة التيار القومي، بمختلف تعبيراته، إلى مراجعة فكرية جادة. فالناصرية التي قامت على شعارات الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية ومناهضة الهيمنة، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، يفرض إعادة التفكير في كثير من المسلمات، سواء تعلق الأمر بعلاقة القومي بالوطني، أو بدور الدولة، أو بكيفية التفاعل مع اقتصاد عالمي متغير.
إن التحدي لم يعد في الحفاظ على الاسم أو في استدعاء الرموز، بل في القدرة على إنتاج رؤية جديدة تستجيب لتحولات المجتمع الموريتاني، وتوازن بين الانتماء القومي وخصوصيات الواقع المحلي. وبين الحنين إلى الماضي وضرورات الحاضر، يقف التيار الناصري أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يظل أسير ذاكرة سياسية فقدت جزءاً كبيراً من فعاليتها، أو أن يخوض مراجعة جريئة تعيد له القدرة على الفعل والتأثير. وفي هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل المطلوب إعادة إنتاج الناصرية كما كانت، أم إعادة ابتكارها بما يجعلها قابل للحياة في زمن مختلف؟