جدول المحتويات
لا جدال في أن الدولة قد نجحت، إلى حد بعيد، في فرض سياسة الترشيد على المواطن، مستندة إلى منظومة من الإجراءات الصارمة والآليات المؤثرة التي أعادت تشكيل سلوكه الاستهلاكي ودفعت به إلى الامتثال لضرورات المرحلة. غير أن هذا النجاح، على وجاهته، يفتح الباب أمام إشكال أعمق وأشد إلحاحا: كيف استطاعت الدولة أن تُحكم قبضتها على أنماط الاستهلاك، لكنها لم تُفلح بالقدر نفسه في توجيه المواطن نحو ميادين الإنتاج، وعلى رأسها النشاط الزراعي؟
إن الترشيد، وإن بدا في ظاهره إنجازا، يظل سياسة دفاعية تُعنى بتقليص الخسائر أكثر مما تُعنى بصناعة الثروة. أما الزراعة، فهي رهان استراتيجي، لا يقتصر أثره على تحسين معيشة الفرد، بل يمتد ليشمل تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الاستقلال الاقتصادي. ومن هنا، فإنّ الاكتفاء بتقويم سلوك المستهلك دون الارتقاء بدور المنتج يُعد مقاربة ناقصة، إن لم نقل قاصرة عن بلوغ غايات التنمية الحقيقية.
وإذا كانت الدولة قد امتلكت من الأدوات ما مكنها من التأثير في سلوك المواطن اليومي، أفلا يجدر بها أن توظف هذه القدرة في بناء توجه إنتاجي راسخ؟ أم أن توجيه الأفراد نحو الزراعة يظل رهين اعتبارات أكثر تعقيدا، تتجاوز حدود القرار الإداري إلى إكراهات الواقع من موارد وإمكانات وبُنى تحتية؟
لا شك أن التحول نحو النشاط الزراعي لا يمكن أن يتم بقرارات فوقية أو بإجراءات ظرفية، بل يتطلب رؤية شاملة تُزاوج بين التحفيز والتأطير، وتعمل على جعل هذا القطاع خيارا مغريا لا عبئا مفروضا. غير أن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في الانتقال من منطق "الضبط" إلى منطق "البناء"، ومن سياسة تقييد الاستهلاك إلى استراتيجية إطلاق الإنتاج.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في جعل المواطن أقلّ استهلاكا فحسب، بل في تمكينه من أن يكون أكثر إنتاجا. فبقدر ما تنجح الدولة في تحويل الطاقات المعطلة إلى قوى فاعلة في ميادين العمل، بقدر ما تضع أسس تنمية متينة ومستدامة.
وعليه، فإن سياسة الترشيد، مهما بلغت نجاعتها، تظل خطوة أولى لا تكتمل إلا بسياسات أكثر جرأة وعمقا، تعيد توجيه المواطن من موقع المتلقي إلى موقع المساهم في بناء الاقتصاد، وفي مقدمة ذلك إحياء الروح الزراعية بوصفها أحد أعمدة السيادة والتنمية.