جدول المحتويات
ما إن رفعت الحرب أوزارها في الشرق حتى رفعت الحكومة الموريتانية سعر المحروقات دون طول نفس ودون دراسة لارتدادات القرار على المواطن ودون انتظار نفاد الاحتياطات الموجودة أصلا، كما فعلت الدول المجاورة...
يختلف المواطن الموريتاني عن غيره من مواطني دول الجوار، رغم القياس المتكرر
الذي تقوم به الحكومة في تبرير قراراتها الجائرة على المواطن، فالإنسان الموريتاني يعتمد اعتمادا كليا على ذاته فهو ربيب محروم من أبوة الدولة دائما، فلا تكاد تجد مواطنا يعتمد إلا على ريع تجاري، ولا تكاد تجد منزلا شُيِّدَ إلا وفي زاويته محل تجاري تعتمد عليه عوائل كثيرة لا صلة لها بالدولة. فالمواطن الموريتاني غالبا لا يرجو من الدولة إلا أن تكف عنه ضرها، وقد تعود على أن لا يرى سيارات الدولة عند بابه إلا لضر جلبته فلم يتعود على سيارة الإسعاف تأتي المنازل لانتشال مريض، ولم يتعود باصات المدارس تمر ببيته لنقل الأطفال إلى المدرسة.
ومع هذا فإن المواطن يدفع للدولة ضريبة الحصول على شهادة عقد الازدياد كأول وثيقة تثبت وجوده، ويدفع للدولة ثمن شهادة الوفاة لتسحب جثته من المستشفى!
فكيف لمواطن والحال هذه أن ترفع عليه الأسعار ارتفاعا جنونيا بهذا الشكل؟
لكن للأسف تحاصره شلة من المفسدين بين نافذين من التجار ومتماهين من السلطة. شلة قد توقف أي خطوة من شأنها تخفيف الأسعار على المواطن وليست رحلة الجزائر منا ببعيد.. وفي مقابل سطوة التجار هذه يوجد ضعف شديد في الرقابة، فالتاجر يحتكر بضاعته دون رقيب مستغلا غياب الدولة حتى ولو تظاهرت الأخيرة بوضع لائحة أسعار، فالتاجر لا يعبه بها، وهكذا جودة البضاعة وتواريخها، فأمام أعين السلطات ترى البضاعة التي ينبغي أن تكون في ظروف لائقة معروضة في الشوارع وتحت لهيب الشمس، وقد تكون منتهية الصلاحية، بل وحتى في المدارس ترى الوجبات الخفيفة محمولة على الرأس في ظروف سيئة دون معرفة متى صنعت ومما صنعت.
ومن المؤسف أيضا أنه مع ضعف النظام وتماليه مع التجار فإنه من المستحيل حصول تراجع في السعر بعد ارتفاعه حتى ولو نزل عالميا وزال السبب.
فالتاجر هنا يبرر بالأسعار عالميا عند الارتفاع ولا يقلدها عند الهبوط، وهذا يشكل خطرا كبيرا على الوطن حاضره ومستقبله.. فلا توجد ظاهرة تسمن عليها المصائب كارتفاع الأسعار على مواطن منهوك لم يعرف من الدولة سوى حلبه... (..لم تراع ضعف القدرة الشرائية الناجم عد ضعف الدخل، فالرواتب زهيدة مع تدنٍ وهبوط مستمر في الأوقية).
فعلى النخبة موالاة ومعارضة أن تتحمل مسؤولياتها أمام ظاهرة ارتفاع الأسعار فقد تجاوزت الشبر إلى الذراع، فإنهم إن لم يفعلوا تكن فتنة وفسادا. لأن الحكومة على ما يبدو لا تنوي القيام بخطوة تخدم المواطن في هذه الظرفية. بل إن الناطق باسم الحكومة حاول تهيئة النفوس لسنتين من الأزمات (المصفاة تحتاج سنتين لتصليحها) وهذا يستوجب على العموم أيضا أن يطفوا حريق نهم التجار وذلك بالتنديد وبمؤازرة الجهات التي ما زالت فيها ضمائر حية تستنكر الظلم والتجويع.
يجب على الجميع أحزابا وهيئات مجتمع مدني ومنظمات ونقابات أن يكونوا يدا واحدة في وجه هذا الظلم وهذا العجز، فالتغيير إلى الأفضل لا يأتي دون سبب، والسماء لا تمطر ذهبا.