تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - [email protected]

جدول المحتويات

إدارة متعثرة للمياه

تفاقم أزمة المياه مع قدوم البابا إلى منطقة الشرق الجزائري يقرأ على مستويين: عرفاني، وكيدي. أولهما عدم رضا الرب (جل جلاله) على هذه الزيارة المشبوهة، وثانيهما جهات في السلطة تريد إزعاج جهات أخرى.

 

وإن إقالة رجل دولة بحجم وزير الموارد المائية من منصبه لا بد أن يستتبع بالأسباب التي دعت إلى ذلك، لأنه كان مكلفا بقطاع استراتيجي يهم الشعب، ومن حق الشعب أن يعرف عنه كل شيء، بل كل شيء عن أي مسؤول سام في الدولة. وتعقيبا عما صرح به الوزير المقال حديثا، فإن كان من حق المواطن أن يتزود بالماء الشروب في أي ظرف كان، وهو أمر مسلم به كحق من حقوق الوجود على الأرض، فهل كانت مشاريع السدود وتحلية البحار تؤمن هذا الحق ما بقي هذا الجزائري على قيد الحياة؟ المشكلة تتخطى الحديث عن هذه المشاريع المؤقتة، إلى الحديث عن تأمين الشعب المكدس في الساحل وإعادة توزيعه بعدل على الأراضي الجزائرية الغنية بالمياه العذبة؛ فذلك هو الحل الجذري لهذا الهدر العظيم في الجهد والوقت والمال، والذي ترك الجزائر تراوح مكانها على كل الأصعدة.

 

تصريحات المسؤولين الجزائريين تضخيمية، ولا يردون المزية فيها إلى خالق الماء والوادي، رغم أنهم لا عمل لهم في إقامة سد بني هارون غير الاعتماد على الأجانب الصينيين والإسبان، حتى السمك جلبوه من المجر إلى بلد شواطئه تتجاوز 1200 كلم! لم يتكلم المشرفون على إدارة الموارد المائية عن مصير من يستفيد من هذا السدود وهم بالملايين في سنوات الجفاف، ولا عن المناخ الذي يسببه التبخر في أشهر الصيف الحارقة. ثم هل من الحكمة أن نبني السدود أم نوزع السكان على بلاد مساحتها كالقارة، وفي جوفها بحار من المياه العذبة في الهضاب والصحراء الكبرى؟ والأخطر من كل ذلك، ما مصير الولايات التي تجاور السدود إذا ما نشبت حرب ما واستهدف الأعادي هذا الصروح العظيمة؟

 

وهدم عشوائي

هذه التسوية للشوارع مقبولة بشروط، منها أن تكون الشوارع العامة ملبية لحاجات السكان ابتداء من الدراسات ثم إبرام الصفقات فالتنفيذ. ولا بد أن تسبق عملية الهدم توعية مباشرة ومهل كافية لكي يتولى المتجاوزون الاحتفاظ بما لهم من أموال على الطرقات كاليافطات، لأن الهدم بهذه الطريقة إفساد لحقوق الخواص المعتدين وتوريث للضغائن. ولا بد أن يطول الإصلاح أرضية الأرصفة أيضا، وأن يعمم ذلك على كامل القطر الجزائري، ولا يستثنى منها خفير ولا وزير، لأن كثيرا من التجاوزات تقدم عليها مؤسسات رسمية بالحواجز والسلاسل وغيرها. وقبل هذا الإجراء ومعه وبعده وجوب إعادة النظر في كل هذه المدننة التي تخنق الناس في المدن والعمارات ليتوزع الجزائريون على تراب الوطني كافة وفق معايير حضارتنا في البناء والتعمير؛ وإلا فنحن أمام تخبط في التسيير وهبة سرعان ما تتلاشى كما تلاشى القضاء على سرطان البناء الفوضوي المتفشي في كل مدن الجزائر. لنعود فنسأل عن المتسبب في هذه المعضلة العمرانية وعن المتضرر منها حقيقة؟ ليبنى على الشيء مقتضاه.

وفجوة بين الإداري والثقافي

ربما يحتاج الشرطي عندنا وكل رسمي يؤدي وظيفة عمومية إلى "كتالوغ" يعرفه عن مهامه في إطارها الإسلامي. هذه الفجوة بين نقد الواقع المتردي وبين المستورد المشاد به مجال خصيب لمن كانت لديه القدرة على البحث لإيجاد المعرفة الإسلامية وتهذيبها كي تصل إلى الناس ميسورة التناول لردم هذه الهوة. ولا ريب أنه بعد الاطلاع عليها سيتم تقديرها، لنقترب لاحقا من تطبيقها، وذلك هو بيت القصيد من كل هذا المسعى.

 

وأذكر مرة في أواسط التسعينيات أنني عدت من المشرق صيفا محملا بكتب في التاريخ، منها "الدولة الأموية" و"الدولة العباسية"، فاستوقف سيارتنا ونحن في الطريق حاجز عسكري في باب الزوار وطلب مني فتح الشنط، ولما قرأ كبيرهم العنوانين ارتعب وأمرني بنشر كل ما أحمل من حاجات وكتب، وظل وقتا طويلا يقلب الكتابين متوجسا خيفة منهما وأنا أخبره بأنهما في التاريخ الوسيط ولا شيء ضارا فيهما، إذن لحجزتهما الجمارك في المطار. فرد علي قائلا: إن الجمارك لا تعرف هذا، وإن الكتابين يحملان "الدولة" الفلانية و"الدولة" الفلانية وقد يكونان محرفين، رافعا حاجبيه ومحركا رأسه يمينا وشمالا وهو ينطق كلمة "الدولة"! ولم أجد سبيلا للفكاك منه إلا لما فتش أوراقي الشخصية وعرف بأنني كنت غائبا عن الجزائر عاما كاملا، فقال لي وهو يبتسم: "وقيل راك متوحش الدار؟"، فقلت: نعم. فأخلى سبيلي وسبيل من كان معي في السيارة، الذين لاموني على حمل هذه الكتب في مثل هذه الظروف!!!

 

وفي التقويم الأولي لعملية الدخول الاجتماعي الذي يجري مطلع كل عام دراسي، فإن الإشراف العلني للسادة الولاة والوفود المرافقة لهم على عملية الدخول المدرسي حفز إدارة المؤسسات المحلية ومنها المدارس التي زارها المسؤولون لتعمل جهدها كي يظهر الدخول على أتم صورة ممكنة، وهو ما تراجع مستواه في اليوم الثاني من الدخول، خاصة في ما يتعلق بنوعية الوجبات المقدمة للتلاميذ والحضور الأمني بالقرب من المدارس حماية للمتمدرسين من مخاطر الطرقات. ولا ننس المؤسسات التي تم افتتاحها حديثا، فلقد تم تجهيزها وتأثيثها وغراسة أشجارها ليلة الافتتاح بطريقة مستعجلة لا إتقان فيها، كي يمر عليها الوفد الرسمي وينظر إليها بعين غير فاحصة وليلتقط بجوارها صورا دعائية تعمم على منصات التواصل الاجتماعي، في عملية تصنع مغشوش للغاية حذر منه سيد هذه الأمة محمد (صلى الله عليه وسلم). ولو كانت الزيارة فجائية وتكررت طوال الأيام الأولى للدخول الاجتماعي لأمكن الإدارة الوصية على هذه المؤسسات التربوية الوقوف على حقيقة الواقع واتخاذ ما يلزم لإصلاحه.

 

وحتى في الجنائز!

لاقت وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال تعاطفا من فئات شتى، عبروا فيها عن مزايا الرجل بغدق، وذكّروا ببعض مزياه حتى ولعه بلعبة "الدومينو" وجلوسه في المقاهي! في تعطش واضح لدى الشعب إلى القيادة الراشدة، التي افتقدتها هذه الأمة منذ تأسيس دولتها في الجزائر على يد الأمير عبد القادر الجزائري (رحمه الله)، ولأن خصال هذه القيادة أمست عزيزة في من يتولى الأمر، فلم يتوان بعض الناس عن إلقائها جزافا كلما لاحت بوادر منها لدى هذا أو ذاك. كما أن التعاطف الذي عجت به القنوات الفضائية ومنصات التواصل لم يخل هو الآخر من بعض التزلف والمجاملة لبطن من البربر لا يزال عاضا على مفاصل الجيش الوطني بالنواجذ.

 

وحتى إن كان الميت يتحلى ببعض الخصال البربرية الأصيلة فإنه لم يك يملك من أمر الجزائر شيئا، حتى لما كان رئيسا في المرادية، لأن قطاعات الجيش ووحداته لم تك لتأتمر بأوامر رئيس تأتي به قيادة الأركان أو تنحيه هكذا بالمطلق؛ واليمين زروال كان يعلم هذا علم اليقين. وقد روى لي رجل من القبائل أنه التقى باليمين في الشارع المحاذي لبيته ماشيا فقال له فيما قال: يا سيادة الرئيس لم لا تفعلوا شيئا للبلاد ينقذها من الهم الذي هي فيه؟ فرد عليه اليمين قائلا: "وماذا أفعل؟ لن يخسروا علي غير "حبة" يا القبائلي!"، يقصد بالحبة رصاصة واحدة.

 

والحق يقال ها هنا، إن تقييم أي إنسان على وجه الغبراء، لا بد أن تعرض فيه أعماله التي عملها وهو حي على الشرع الحنيف، كما تعرض أعماله ذاتها في الملأ الأعلى على صاحب الشرع الحنيف (الله عز شأنه)؛ فالميزان واحد والوازنون مختلفون، وأعمال العبد هي ما يحكم للإنسان بالفلاح أو بالخسران. وما عدا ذلك، فشكليات مما وضع الإنسان، لا تنفع الميت وهو عند الواحد الديان.

الأحدث